فاطمة الزهراء بهجة قلب المصطفى(ص) - الرحماني الهمداني، أحمد - الصفحة ٥٣
حياتها كرامة لها، لأنّها بضعة من رسول اللّه، و هو مباشر لها، فلمّا ماتت و هو لم يبايع أبا بكر انصرف النّاس عن ذلك الاحترام ليدخل فيما دخل فيه الناس و لا يفرّق جماعتهم.
فالحقيقة هنا مردّدة بين أنّ الصدّيقة- سلام اللّه عليها- غربت عنها ضروريّة من ضروريّات دين أبيها و هي أولاها و أعظمها، و قد حفظته الامّة جمعاء حضريّها و بدويّها، و ماتت- العياذ باللّه- على غير سنّة أبيها؛ و بين أن لا يكون للحديث مقيل من الصّحّة، و قد رواه الحفظة الأثبات من الفريقين و تلقّته الامّة بالقبول؛ و بين أنّها- سلام اللّه عليها- لم تك تعترف للمتقمّص بالخلافة، و لا توافقه على ما يدّعيه، و لم تكن تراه أهلا لذلك، و كذلك الحال في مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام).
فهل يسع لمسلم أن يختار الشّقّ الأوّل و يرتئي لبضعة النبوّة و لزوجها نفس النبيّ الأمين و وصيّه على التعيين ما يأباه العقل و المنطق و يبرأ منه اللّه و رسوله؟ لا، ليس لأحد أن يقول ذلك.
و أمّا الشقّ الثاني، فلا أظنّ جاهلا يسفّ إلى مثله بعد استكمال شرائط الصحّة و القبول، و إصفاق أئمّة الحديث و مهرة الكلام على الخضوع لمفاده، و إطباق الامم الإسلاميّة على مؤدّاه.
فلم يبق إلّا الشقّ الثالث؛ فخلافة لم تعترف لها الصدّيقة الطاهرة و ماتت و هي واجدة عليها و على صاحبها و يجوّز مولانا أمير المؤمنين التأخّر عنها و لو آنا ما، و لم يأمر حليلتها بالمبادرة إلى البيعة، و لا بايع هو، و هو يعلم أنّ من مات و لم يعرف إمام زمانه و ليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهليّة، فخلافة هذا شأنها حقيقة بالإعراض عنها و النكوص عن البخوع لصاحبها [١].
و قال العلّامة المظفّر (ره) في ردّ قاضي روزبهان: و أمّا ما زعمه من أنّ غضب الزهراء على أبي بكر كان من العوارض البشريّة، فحاصل مقصوده منه أنّه غضب باطل خارج عن الغضب المقصود بقوله صلّى اللّه عليه و آله:
«إنّ اللّه يغضب بغضبك، و يرضى لرضاك». و فيه أنّه يكون المراد بالحديث: «إنّ اللّه يغضب لغضب فاطمة إذا كان غضبا بحقّ و من باب
[١]- «الغدير» ج ١٠، ص ٣٦٠- ٣٦٢.