فاطمة الزهراء بهجة قلب المصطفى(ص) - الرحماني الهمداني، أحمد - الصفحة ٢١٨
فانصرفت، فعلم صلّى اللّه عليه و آله أنّها قد جاءت لحاجة، فغدا علينا و نحن في لحافنا، فقال: السلام عليكم، فسكتنا و استحيينا لمكاننا، ثمّ قال:
السلام عليكم، فسكتنا، ثمّ قال: السلام عليكم، فخشينا إن لم نردّ عليه أن ينصرف- و قد كان يفعل ذلك فيسلّم ثلاثا، فإن اذن له و إلّا انصرف- فقلنا: و عليك السلام يا رسول اللّه ادخل، فدخل و جلس عند رءوسنا، ثمّ قال: يا فاطمة ما كانت حاجتك أمس عند محمّد؟ فخشيت إن لم- نجبه أن يقوم، فأخرجت رأسي فقلت: أنا و اللّه اخبرك يا رسول اللّه، إنّها استقت بالقربة حتّى أثّر في صدرها، و جرت بالرحى حتّى مجلت يداها، و كسحت البيت حتّى اغبرّت ثيابها، و أوقدت تحت القدر حتّى دكنت ثيابها، فقلت لها: لو أتيت أباك فسألته خادما يكفيك حرّ ما أنت فيه من هذا العمل.
قال: أ فلا اعلّمكما ما هو خير لكما من الخادم؟ إذا أخذتما منامكما فكبّرا أربعا و ثلاثين تكبيرة، و سبّحا ثلاثا و ثلاثين تسبيحة، و احمدا ثلاثا و ثلاثين تحميدة. فأخرجت فاطمة رأسها و قالت: رضيت عن اللّه و عن رسوله، رضيت عن اللّه و عن رسوله. [١]
أقول: إنّما أراد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أن تكون فلذة كبده و قرّة عينه و بضعته الطاهرة مثالا كاملا لنفسه الشريفة في الزهد عن الدنيا و تحمّل مشاقّها و رفض لذائذها كما يقتضيه قوله صلّى اللّه عليه و آله: «فاطمة بضعة منّي». أو «أنت منّي». فمن المعلوم أنّه ليس أراد بذلك تولّدها منه لوضوحه و انتفاء الحكمة في بيانه، بل أراد: إنّ ابنتي فاطمة روحها روحي، و نفسها نفسي، و طينتها طينتي.
و قد جاء نظير هذه القضيّة في شأن جعفر (عليه السلام)، فروي عن علىّ (عليه السلام): إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لمّا جاءه جعفر بن أبي طالب من الحبشة قام إليه و استقبله اثنتي عشرة خطوة، و قبّل ما بين عينيه و بكى و قال: لا أدري بأيّهما أنا أشدّ سرورا؟ بقدومك يا جعفر أم بفتح اللّه
[١]- «من لا يحضره الفقيه» ج ١، ص ٣٢٠- ٣٢١.