تفسير جوامع الجامع - الشيخ الطبرسي - الصفحة ١٢٩ - سورة يونس عليه السّلام
فهلاّ «كََانَتْ قَرْيَةٌ» واحدة من القرى الّتى أهلكناها تابت عن الكفر، و «آمَنَتْ» وقت بقاء التّكليف قبل معاينة البأس، و لم تؤخّر التّوبة كما أخّرها فرعون إلى أن أدركه الغرق، «فَنَفَعَهََا إِيمََانُهََا» : بأن يقبله [١] اللّه منها، «إِلاََّ قَوْمَ يُونُسَ» : استثناء من القرى لأنّ المراد أهاليها، و هو استثناء منقطع بمعنى: و لكنّ قوم يونس، و يجوز أن يكون متّصلا و الجملة فى معنى النّفى، كأنّه قيل: ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلاّ قوم يونس، و كان قد بعث إلى «نينوى» [٢] من أرض الموصل [٣] ، فكذّبوه، فذهب عنهم مغاضبا، فلمّا فقدوه خافوا نزول العذاب، فلبسوا المسوح و عجّوا و بكوا، فصرف اللّه «عنهم» العذاب و كان قد نزل و قرب منهم، و عن الفضيل بن عياض [٤] : أنّهم قالوا: «اللّهمّ إنّ ذنوبنا قد عظمت و جلّت و أنت أعظم منها و أجلّ، افعل بنا ما أنت أهله، و لا تفعل بنا ما نحن أهله» . } «وَ لَوْ شََاءَ رَبُّكَ» مشيئة الإلجاء «لَآمَنَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ كُلُّهُمْ» على وجه الإحاطة و العموم «جَمِيعاً» : مجتمعين على الإيمان، يدلّ عليه قوله: «أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ اَلنََّاسَ» ، يعنى إنّما يقدر اللّه على إكراههم لا أنت، لأنّه هو يقدر أن يفعل فى قلوبهم ما يضطرّون عنده إلى الإيمان، و ليس ذلك فى مقدور القدر، و لا يستطيعه البشر.
ق:
[١]ب، ج: يقبل.
[٢]قرية قديمة لا تزال آثارها باقية قبالة مدينة الموصل (هامش الأخبار الطّوال ص ٢٥١ ط دار الكتب) و فى المسالك و الممالك لابن خرداد به ص ٩٤:
«و نينوى مدينة يونس بن متّى» .
[٣]الموصل: هى مدينة قديمة اختطّها هرثمة بن عرفجة البارقىّ، و كان قبل ذلك حصنا فيه بيع و منازل للنّصارى و اليهود، فأنزل هرثمة المسلمين منازلهم، و مصر المدينة لهم (راجع فتوح البلدان للبلاذرىّ، ج ٢ ص ٣٣١-٣٣٣ ط اروبا) .
[٤]الفضيل بن عياض، يكنّى: أبا علىّ، من تميم، ولد بأبيورد من خراسان، و قدم الكوفة و هو كبير، فسمع من منصور بن المعتمر و غيره، ثمّ تعبّد و انتقل إلى مكّة، فنزلها إلى أن مات بها سنة سبع و ثمانين و مائة (المعارف ص ٥١١ ط دار الكتب بمصر) .