تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٤٢٦ - دهر دهر
اسْتَأْثَر اللّه بالوفاءِ و بِالْ # حَمْد و وَلَّى المَلامَةَ الرَّجُلاَ
قال: و تأْوِيلُه عندي أَنَّ العَرَب كانَ شأْنُها أَن تَذُمَّ الدّهْرَ و تَسُبَّه عند الحوادِثِ و النوازِلِ تَنْزِلُ بهم، من مَوْتٍ أَوْ هَرَمٍ، فيقولون أَصابَتْهُم قَوَارِعُ الدَّهْرِ و حَوادِثُه، و أَبادَهم الدَّهْرُ ، فيَجْعَلُون الدَّهْرَ الذي يَفعل ذلك فيَذُمُّونه، و قد ذَكَروا ذلك في أَشْعَارهم، و أَخْبَر اللّه تعالَى عنهم بذلك في كِتابِه العَزِيز [١] ، فنهاهم النّبيّ صلى اللّه عليه و سلّم عن ذلك و ١٤- قال : «لا تَسُبُّوا الدّهرَ ... » . على تأَوِيل لا تَسُبّوا[ الدهر ] [٢] الَّذِي يَفْعَلُ بكُم هََذِه الأَشْيَاءَ، فإِنَّكُم إِذا سَبَبْتم فاعِلَهَا فإِنَّمَا يَقَع السَّبُّ على اللّه، لأَنّه الفاعلُ لها لا الدَّهْر . فَهذا وَجْهُ الحَدِيثِ.
قال الأَزْهَرِيّ: و قد فَسَّر الشَّافِعِيُّ هََذا الحديثَ بنَحْوِ ما فَسَّرَه أَبو عُبَيْد، فظَنَنْت أَنَّ أَبَا عُبَيْد حَكَى كلامَه.
و قال المُصَنِّف في البَصَائر: و الذي يُحَقِّق هََذا الموضِع و يَفْصِل بين الرِّوايَتَيْن هو ١٤- قوله : «فإِنَّ الدَّهْرَ هو اللّه» .
حَقِيقَتُه: فإِنَّ جالبَ الحوادثِ هُوَ اللّه لا غَيْرُ، فوضَعَ الدَّهْرَ مَوْضِعَ جالِبِ الحوادثِ، كما تقول: إِنَّ أَبا حَنِيفَة أَبُو يُوسفَ، تُرِيد أَن النِّهَايَة في الفِقْه هو أَبُو يُوسفَ لا غيره.
فتضع أَبا حَنِيفَة مَوْضعَ ذََلِك لشُهْرَتِه بالتَّناهِي في فِقْهِ، كما شُهِرَ عندَهم الدَّهْرُ بجَلْبِ الحوادثِ.
و معنَى الروايَةِ الثانيةِ ١٤- «إِنَّ اللّه هُو الدَّهْر » . فإِنَّ اللّهَ هو الجالِبُ للحوادثِ لا غَيْرُ، رَدًّا لاعتقادِهِم أَنّ جالبَها الدَّهْرُ ، كما إِذا قلتَ: إِنَّ أَبا يُوسفَ أَبو حَنِيفَةَ، كان المعنَى أَنَّه النِّهَايَة في الفِقْه. و قال بعضُهُم: الدَّهْر الثانِي في الحَدِيث غيرُ الأَوّل، و إِنما هو مَصْدَرٌ بمعنَى الفاعلِ، و مَعْنَاه إِنَّ اللّه هو الدَّهْر ، أَي المُصرِّف المُدَبِّر المُفِيض لِمَا يَحْدُث، انتهى.
قلتُ: و ما ذَكَره من التَّفْصِيل و تأْوِيلِ الرِّوايَتَيْن فهو بعَيْنه نَصُّ كلام الأَزْهَرِيّ في التهذيب، ما عَدا التَّمْثِيل بأَبي يُوسفَ و أَبِي حنيفة. و أَما القَوْلُ الأَخِيرُ الذي عَزَاه لبَعْضهم فقد صَرّحوا به، و استَدَلُّوا بالآيةِ يُدَبِّرُ اَلْأَمْرَ يُفَصِّلُ اَلْآيََاتِ [٣] ، و نسبُوه للراغِب.
و قد عَدَّ المُدَبِّرَ في الأَسماءِ الحسنى الحَاكِمُ و الفِرْيَابِيّ مِن رِوَاية عبد العزيز بن الحُصَيْن، كما نقله شيخُنَا عن الفَتْح، و لكن يخالِفُه ما في المُفْردات له بَعْد ذِكْرِ مَعْنَى الدَّهْر تَأْوِيل الحديث بنَحْوٍ من كلامِ الشافعيّ و أَبي عُبَيْد، فليُتَأَمَّل ذلك.
قال شيخُنَا: و كأَنّ المُصَنِّفَ رَحِمه اللّه قَلَّد في ذلِك الشَّيْخَ مُحْيِىَ الدِّينِ بن عَربِيّ قُدِّسَ سِرُّه، فإِنَّه قال في الباب الثالث و السبعين من الفتوحات: ١٦- الدَّهُر من الأَسماءِ الحُسْنَى، كما ورَدَ في الصّحِيح و لا يُتَوَهَّم من هذا القولِ الزَّمَانُ المعرُوفُ الذي نَعُدُّه من حَرَكَاتِ الأَفْلاكِ و نَتَخَيَّل من ذلِك دَرَجَاتِ الفَلَك التي تَقطَعها الكواكبُ، ذلِك هو الزَّمَان، و كلامُنا إِنَّمَا هو في الاسمِ: الدَّهْرِ ، و مَقَاماتِه التي ظهر عنها الزمانُ، انتهى.
و نَقَلَه الشيخُ إِبراهِيم الكُورانيّ شَيْخُ مَشايخنا، و مالَ إِلى تَصْحيحه. قال: فالمحقِّقون من أَهل الكَشْف عَدُّوه من أَسماءِ اللّه بهذا المَعْنَى، و لا إِشكالَ فيه. و تَغْلِيطُ عِيَاض القائل بأَنه من أَسماءِ اللّه مَبْنِيٌّ على ما فَسَّرَه به من كَوْنِه مُدَّةَ زَمانِ الدُّنْيَا، و لا شكّ أَنه بهذا المعنَى يُغْلَّط صاحبُه. أَما بالمعنَى اللائقِ كما فَسَّره الشيخُ الأَكبرُ، أَو المُدَبِّر المُصْرِّف، كما فسَّره الراغبُ، فلا إِشكالَ فيه، فالتغليط ليس على إطلاقه.
قال شيخُنَا: و كان الأَشْياخُ يَتوقَّفُون في هذا الكلام بَعْضَ التَّوَقُّفِ لَمَّا عَرَضْته عليهم و يقولون: الإِشارات الكَشْفِيّة لا يُطلَق القَولُ بها في تَفْسِير الأَحادِيثِ الصَّحِيحَة المَشْهُورَة، و لا يُخَالَفُ لأَجلها أَقوالُ أَئِمَّةِ الحديثِ المَشَاهِيرِ، و اللّه أَعلم.
و قيل الدَّهْر : الزّمانُ قَلَّ أَو كَثُر، و هما وَاحدٌ، قاله شَمِرٌ، و أَنشد:
إِنَّ دَهْراً يَلُفُّ حَبْلِي بجُمْلٍ # لَزَمَانٌ يَهُمُّ بالإِحْسَانِ
[١] قال جلّ و عزّ: وَ قََالُوا مََا هِيَ إِلاََّ حَيََاتُنَا اَلدُّنْيََا نَمُوتُ وَ نَحْيََا وَ مََا يُهْلِكُنََا إِلاَّ اَلدَّهْرُ. وَ مََا لَهُمْ بِذََلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاََّ يَظُنُّونَ ، .
[٢] زيادة عن التهذيب.
[٣] سورة الرعد الآية ٢.