القواعد الفقهية - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ٢٨٣ - الثاني حكم العقل بقبح مؤاخذة المحسن على إحسانه،
و لكنّه إذ لا يكون المورد مخصّصاً، و قوله [١] تعالى ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ منزلة ضابطة كلية و قاعدة عامّة، لا بد من الالتزام بعدم اختصاص السبيل بالعقاب، بل له معنى عام شامل لكلّ ما يكون بضرر المحسن و موجباً لمؤاخذته و الأخذ به، سواء كان عقاباً في الآخرة، أو أمراً ضرريّاً عليه في الدّنيا، كضمانه و تغريمه و تعزيره، فله معنى عام يشمل الجميع، و هذا إجمال معنى القاعدة، و سيأتي التفصيل في الموقف الثاني إن شاء اللّه تعالى.
الثاني حكم العقل بقبح مؤاخذة المحسن على إحسانه،
و لعلّه اليه يشير قوله تعالى هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ [٢]؛ فإن مرجعه الى ان مكافأة الإحسان لا تلائم الإساءة بل تنحصر في الإحسان، و بعبارة اخرى: المحسن منعم، و المنعم شكره انّما هو بالإحسان إليه، و يقبح كفرانه بنظر العقل، فلا معنى للحكم بضمانه في مورد إحسانه، مثلًا إذا رأى مال الغير في معرض التلف، كما إذا ذهب به السيل أو أطارته الريح مثلًا فأخذه بقصد حفظه و إيصاله الى مالكه ليتمكن من التصرف فيه و الاستفادة منه، فحفظه في محلّ معدّ للحفظ عرفاً، و لكنه على خلاف الانتظار سرق أو خرب السقف مثلًا فتلف المال، فهل الحكم بضمانه في هذه الصورة و أخذ المثل أو القيمة منه ملائم لإحسانه أو انه قبيح عند العقل؟ و هكذا سائر الموارد المشابهة مثل الوديعة التي أخذها المستودع إحساناً للمودع فحفظها في مكان كذلك، ثمّ عرض لها التلف بمثل ما ذكر، فهل يجوز عند العقل الحكم بتغريمه و تضمينه و أخذ المثل أو القيمة منه؟
[١] سورة التوبة الآية: ٩٢. [٢] سورة الرحمن آية ٦٠.