الإلهيات من كتاب الشفاء - حسن زاده الآملي، الشيخ حسن - الصفحة ٤٦٧ - الفصل الثامن من المقالة التاسعة فى المعاد
واحد أو قريب من الواحد، و أما أن المدرك فى نفسه أكمل فأمر لا يخفى، و أما أنه أشد إدراكا فأمر أيضا تعرفه بأدنى تأمل و تذكر منك لما سلف بيانه، فإن النفس النطقية أكثر عدد مدركات، و أشد تقصّيا للمدرك و أشد تجريدا له عن الزوائد الغير الداخلة فى معناه إلّا بالعرض و لها الخوض فى باطن المدرك و ظاهره، بل كيف يقاس هذا الإدراك بذلك الإدراك أو كيف تقاس هذه اللذة باللذة الحسية و البهيمية و الغضبية، و لكنا فى عالمنا و بدننا هذين و انغمارنا فى الرذائل لا نحسّ بتلك اللذة إذا حصل عندنا شىء من أسبابها كما أومأنا إليه فى بعض ما قدمناه من الأصول و لذلك لا نطلبها و لا نحن إليها اللهم إلّا أن نكون قد خلعنا ربقة الشهوة و الغضب و أخواتهما عن أعناقنا، و طالعنا شيئا من تلك اللذة، فحينئذ ربما تخيلنا منهما خيالا طفيفا ضعيفا، و خصوصا عند انحلال المشكلات و استيضاح المطلوبات النفسية و نسبة التذاذنا هذا إلى التذاذنا ذلك، نسبة الالتذاذ الحسى بتنشّق روايح المذاقات اللذيذة إلى الالتذاذ بتطعّمها، بل أبعد من ذلك بعدا غير محدود.
و أنت تعلم إذا تأملت عويصا يهمّك و عرضت عليك شهوة و خيّرت بين الظفرين، استخففت بالشهوة إن كنت كريم النفس؛ و الأنفس العامية أيضا فإنها تترك الشهوات المعترضة و تؤثر الغرامات و الآلام الفادحة بسبب افتضاح أو خجل أو تعيير أو سوء قالة. و هذه كلها أحوال عقلية بعضها و اضداد بعضها يؤثر على المؤثرات الطبيعية و يصير لها على المكروهات الطبيعية و يعلم من ذلك أن الغايات العقلية أكرم على الانفس فى محقرات الأشياء فكيف فى الأمور البهية العالية؟ إلّا أن النفس الخسيسة تحس بما يلحق المحقرات من الخير و الشر، و لا تحس عمّا يلحق الأمور البهية لما قيل من المعاذير.