الإلهيات من كتاب الشفاء - حسن زاده الآملي، الشيخ حسن - الصفحة ٤٢٥ - الفصل الرابع من المقالة التاسعة فى كيفية صدور الأفعال من المبادئ العالية، ليعلم من ذلك ما يجب أن يعلم من المحركات المفارقة المعقولة بذاتها المتشوّقة
وجودا من المقصود، لأن كل ما لأجله شىء آخر فهو أتم وجودا من الآخر من حيث هو و الآخر على ما هما عليه، بل به يتم للآخر النحو الآخر من الوجود الداعى إلى القصد. و لا يجوز أن يستفاد الوجود الأكمل من الشىء الأخس، فلا يكون ألبتة إلى معلول قصد صادق غير مظنون و إلّا كان القصد معطيا و مفيدا لوجود ما هو أكمل وجودا منه.
و إنما يقصد بالواجب شىء يكون القصد مهيئا له و مفيد وجوده شىء آخر: مثل الطبيب للصحة، فالطبيب لا يعطى الصحة بل يهيّىء لها المادة و الآلة، و إنما يفيد الصحة مبدأ أجلّ من الطبيب، و هو الذى يعطى المادة جميع صورها، و ذاته أشرف من المادة. و ربما كان القاصد مخطئا فى قصده إذا قصد ما ليس أشرف من القصد، فلا يكون القصد لأجله فى الطبع بل بالخطأ، و لان هذا البيان يحتاج إلى تطويل و تحقيق، و فيه شكوك لا تنحل إلّا بالكلام المشبع.
فلنعدل إلى الطريق الأوضح فنقول: إن كل قصد فله مقصود، و العقلى منه هو الذى يكون وجود المقصود عن القاصد أولى بالقاصد من لا وجوده عنه، و إلّا فهو هذر. و الشىء الذى هو أولى بالشىء فإنه يفيد كمالا ما؛ إن كان بالحقيقة فحقيقيا، و إن كان بالظن فظنيا: مثل استحقاق المدح و ظهور القدرة و بقاء الذكر، فهذه و ما أشبهها كمالات ظنية أو الربح أو السلامة، أو رضى اللّه تعالى و تقدس و حسن معاد الآخرة، و هذه و ما أشبهها كمالات حقيقية لا تتم بالقاصد وحده.
فإذن، كل قصد ليس عبثا فإنه يفيد كمالا مّا لقاصده لو لم يقصده لم يكن ذلك الكمال، و العبث أيضا يشبه أن يكون كذلك، فإن فيه لذة أو راحة أو غير ذلك أو شيئا مما علمت أو سائر ما تبيّن لك.