الإلهيات من كتاب الشفاء - حسن زاده الآملي، الشيخ حسن - الصفحة ٢٨٩ - الفصل الخامس من المقالة السادسة فى إثبات الغاية و حل شكوك قيلت فى إبطالها، و الفرق بين الغاية و بين الضرورى و تعريف الوجه الذى تتقدّم به الغاية على سائر العلل و الوجه الذى تتأخر به
علة متقدمة و هى بالحقيقة معلولة العلل كلها؟
و مما يليق أن نتكلم فيه بعد حل هذه الشبهة أنه هل الغاية و الخير شىء واحد أم مختلف؟ و أيضا ما الفرق بين الجود و الخيرية؟
فنقول الآن: أما الشك الأول المنسوب إلى الاتفاق و العبث فنحله و نقول: أما حال الاتفاق و أنه غاية ما فقد فرغ منه فى الطبيعيات.
و أما بيان أمر العبث فيجب أن نعرف أن كل حركة إرادية فلها مبدأ قريب، و مبدأ بعيد، و مبدأ أبعد. فالمبدأ القريب هو القوة المحركة فى عضلة العضو، و المبدأ الذى يليه هو الإجماع [١] من القوة الشوقية، و الأبعد من ذلك هو التخيل أو التفكر. فإذا ارتسم فى التخيل أو فى الفكر النطقى [٢] صورة ما، فتحركت القوة الشوقية إلى الإجماع خدمتها القوة المحركة التى فى الأعضاء، فربما كانت الصورة المرتسمة فى التخيل أو الفكر هى نفس الغاية التى تنتهى إليها الحركة و ربما كانت شيئا غير ذلك إلّا أنه لا يتوصل إليه إلّا بالحركة إلى ما تنتهى إليه الحركة، أو تدوم عليه الحركة [٣].
مثال الأول: أن الإنسان ربما ضجر عن المقام فى موضع ما، و تخيل فى نفسه صورة موضع آخر فاشتاق إلى المقام فيه فتحرك نحوه و انتهت حركته إليه، فكان [٤] متشوّقه نفس ما انتهى إليه تحريك القوى المحركة للعضلة.
و مثال الثانى: أن الإنسان قد يتخيل فى نفسه صورة لقائه لصديق له فيشتاقه فيتحرّك الى المكان الذى يقدّر مصادفته فيه، فتنتهى حركته إلى ذلك
[١] - الإجماع هو العزم على التحصيل.
[٢] - من الأمور الكلية، كما أنّ ما ترتسم في التخيّل من الأمور الجزئية.
[٣] - كالفلك.
[٤] - فالصورة المرتسمة عين الغاية.