الإلهيات من كتاب الشفاء - حسن زاده الآملي، الشيخ حسن - الصفحة ٤١٧ - الفصل الثالث من المقالة التاسعة فى أن المحرك القريب للسماويات لا طبيعة و لا عقل، بل نفس، و المبدأ الأبعد عقل
هو الخير عند العاشق؛ بل نقول: إن كل محرك [١] حركة غير قسرية فهى إلى أمر مّا، و لتشوق أمر مّا، حتى الطبيعة أيضا، فإن شوق الطبيعة أمر طبيعى و هو الكمال الذاتى للجسم: إما فى صورته، و إما فى أينه و وضعه؛ و شوق الإرادة أمر إرادى، إما إرادة لمطلوب حسى كاللذة، أو وهمى خيالى كالغلبة، أو ظنى و هو الخير المظنون. فطالب اللذة هو الشهوة، و طالب الغلبة هو الغضب، و طالب الخير المظنون هو الظن، و طالب الخير الحقيقى المحض هو العقل، و يسمى هذا الطلب اختيارا. و الشهوة و الغضب غير ملائم لجوهر الجسم الذى لا يتغير و لا ينفعل [٢]، فإنه لا يستحيل إلى حال غير ملائمة، فيرجع إلى حال ملائمة، فيلتذ أو ينتقم من محيل [٣] له فيغضب. و على أن كل حركة إلى لذيذ أو غلبة فهى متناهية. و أيضا فإن أكثر المظنون لا يبقى مظنونا سرمديا.
فوجب أن يكون مبدأ هذه الحركة اختيارا و إرادة لخير حقيقى، فلا يخلو ذلك الخير: إما أن يكون مما ينال بالحركة فيتوصل إليه، أو يكون خيرا ليس جوهره مما ينال بوجه، بل هو مباين، و لا يجوز أن يكون ذلك الخير من كمالات الجوهر المتحرك فيناله بالحركة و إلّا لا نقطعت الحركة، و لا يجوز أن يكون يتحرك ليفعل فعلا يكتسب بذلك الفعل كمالا، كما من شأننا أن نجود لنمدح، و نحسن الأفعال ليحدث لنا ملكة فاضلة، أو نصير خيّرين، و ذلك لأنّ المفعول يكتسب كماله من فاعله فمحال أن يعود فيكمل جوهر فاعله، فإن كمال المعلول أخس من كمال العلة الفاعلة، و الأخس لا يكسب الأشرف
[١] - أي النفس بقرينة «حركة».
[٢] - أى جوهر الجسم السماوي.
[٣] - المحيل، الصواب، بالحاء المهملة، و في بعض النسخ بالخاء المعجمة و لكنّها مصحّفة.