الإلهيات من كتاب الشفاء - حسن زاده الآملي، الشيخ حسن - الصفحة ٤٦٨ - الفصل الثامن من المقالة التاسعة فى المعاد
و اما إذا انفصلنا عن البدن [١]، و كانت النفس منّا تنبّهت فى البدن لكمالها الذى هو معشوقها و لم تحصّله، و هى بالطبع نازعة إليه إذ عقلت بالفعل أنه موجود. إلّا أن اشتغالها بالبدن كما قلنا قد أنساها ذاتها و معشوقها كما ينسى المرض الحاحة إلى بدل ما يتحلل و كما تنسى الامراض الاستلذاذ بالحلو و اشتهاءه، و تميل بالشهوة من المريض إلى المكروهات فى الحقيقة عرض لها حينئذ من الألم بفقدانه كفاء ما يعرض من اللذة التى أوجبنا وجودها و دللنا على عظم منزلتها، فيكون ذلك هو الشقاوة و العقوبة التى لا يعد لهما تفريق النار للاتصال و تبديل الزمهرير للمزاج، فيكون مثلنا حينئذ مثل الخدر الذى أومأنا إليه فيما سلف، أى الذى عمل فيه نار أو زمهرير، فمنعت المادة اللابسة وجه الحس عن الشعور به فلم يتأذ، ثم عرض أن زال العايق فشعر بالبلاء العظيم.
و أما إذا كانت القوة العقلية بلغت من النفس حدا من الكمال يمكنها به إذا فارقت البدن أن تستكمل الاستكمال التام الذى لها أن تبلغه، كان مثلها مثل الخدر الذى أذيق الطعم الألذ و عرض للحالة الأشهى و كان لا يشعر به، فزال عنه الخدر و طالع اللذة العظيمة دفعة، و تكون تلك اللذة لا من جنس اللذة الحسية و الحيوانية بوجه، بل لذة تشاكل الحال الطيبة التى هى للجواهر الحية المحضة، و هى أجل من كل لذة و أشرف.
فهذه هى السعادة و تلك هى الشقاوة، و تلك الشقاوة ليست تكون لكل واحد من الناقصين، بل للذين اكتسبوا للقوة العقلية التشوق إلى كمالها
[١] - جواب «أما» و «إذا» كليهما قوله الآتي: «عرض لها حينئذ ...»، و النسخ المخطوطة التي عندنا كلّها متفقة في هذه العبارة، و إن كان الصواب أن يقال: فعرض لها حينئذ ...» بالفاء لمكان «أما».