جامع المقاصد في شرح القواعد - المحقق الثاني (المحقق الكركي) - الصفحة ٤٩٩
..........
و اللائق به كلمة كيف لا كلمة أنى.
و ما ذكر في سبب النزول معارض بما تقدّم، و لو سلّم فلا منافاة فيه، لتعدد المكان، فإن التخيير في المكان ينبّه على التخيير في الجهة بطريق أولى.
و تشبيه النساء بالحرث لا يقتضي حصر الإتيان في القبل، مع وجود اللفظ الدال على تعميم المكان، فإن إتيان الحرث الحقيقي لا ينحصر في الإتيان للزرع، و قوله تعالى فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّٰهُ نقول بموجبه، فإن الإتيان في القبل إذا كان واجبا لا ينافي جواز الإتيان في الدبر، إذ ليس في الآية ما يدل على الحصر.
و كأنه لما منع سبحانه من الإتيان في موضع الحيض، رفع ذلك المنع بعد الطهر بقوله تعالى فَإِذٰا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّٰهُ [١] ثم عمّم الإتيان في الأمكنة تحرزا من توهم منع ما سوى القبل.
و يزيد ذلك قوة ما روي أن مالكا قال: ما أدركت أحدا اقتدي به في ديني يشك في أن وطء المرأة في دبرها حلال، ثم قرأ هذه الآية [٢].
و قد روى الأصحاب في الجواز عدّة أخبار منها صحيحة عبد اللّٰه بن أبي يعفور، قال: سألت أبا عبد اللّٰه عليه السّلام عن الرجل يأتي المرأة في دبرها، قال: «لا بأس به» [٣].
و منها ما رواه ابن أبي يعفور أيضا، قال: سألت أبا عبد اللّٰه عليه السّلام عن الرجل يأتي المرأة في دبرها، قال: «لا بأس إذا رضيت» قلت: فأين قول اللّٰه تعالى:
فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّٰهُ؟ قال: «هذا في طلب الولد، فاطلبوا الولد من حيث
[١] البقرة: ٢٢٢.
[٢] أحكام القرآن للجصاص ١: ٣٥١.
[٣] التهذيب ٧: ٤١٥، حديث ١٦٦٢، الاستبصار ٣: ٢٤٣ حديث ٨٧١.