جامع المقاصد في شرح القواعد - المحقق الثاني (المحقق الكركي) - الصفحة ٤٩٨
..........
وجه الاستدلال به: إن كلمة (أنى) للتعميم في المكان بمعنى أين، و هي تستدعي تعدد الأمكنة، يقال: اجلس أنى شئت و أين شئت أي: في أي مكان شئت، و حيث كان كذلك كانت الآية دليلا على جواز الإتيان في الدبر، إذ لا يتحقق تعدد المكان إلّا بذلك.
و يؤيد هذا ما روى العامة عن ابن عباس أن سبب نزول الآية ان عمر جاء إلى النبي صلّى اللّٰه عليه و آله فقال: يا رسول اللّٰه هلكت، و حكى وقوع هذا الفعل منه فأنزل اللّٰه تعالى هذه الآية [١].
قيل: إنّ المراد بالآية التخيير بين إتيان المرأة في قبلها من قبلها و بين إتيانها من دبرها في قبلها. و يؤيده ما روي في سبب النزول من أن اليهود قالوا: من أتى امرأة من دبرها في قبلها كان ولدها أحول، فذكر ذلك لرسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله فقال: «كذبت اليهود» [٢] فنزلت. و كذا يؤيده قوله تعالى نِسٰاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ [٣] أي مزرع و منبت الولد، شبّههن بالأرض من حيث أن النطفة التي تلقى في أرحامهن للنسل كالبذر، فيكون المعنى لقوله تعالى فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّٰى شِئْتُمْ: فأتوهن كما تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها من أي جهة شئتم، لا يحظر عليكم جهة دون جهة، أي: جامعوهن من أي شق أردتم بعد أن يكون المأتي واحدا و هو موضع الحرث.
و كذا قوله تعالى فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّٰهُ فإن المراد به القبل، فإن الدبر لا يؤمر به إجماعا.
قلنا: قد بينا أن المراد بالآية التخيير بين الأمكنة، و ذلك يقتضي تعددها، و الإتيان من القبل و الدبر في القبل انما فيه اختلاف طريق المكان و المكان واحد،
[١] التفسير الكبير ٦: ٧٥.
[٢] سنن البيهقي ٧: ١٩٤ مع اختلاف يسير.
[٣] البقرة: ٢٢٣.