مختلف الشيعة في أحكام الشريعة - العلامة الحلي - الصفحة ٢٩
الثلث، فالبنت الواحدة أوفر نصيبا من عشرين ابنا.
و منها: أن يكون نصيب البنت يساوي نصيب الابن حتى لو كان مكانها ابن لورث ما ترثه هي بعينه على وجه واحد، و سبب واحد، و ذلك أنّ مذهبهم أنّ بنت الابن تأخذ المال كلّه بسبب واحد، لأنّ لها عندهم نصيب أبيها، فلو كان مكان هذه البنت ابن، لساواها في هذا الحكم، و أخذ ما كانت تأخذه البنت على الوجه الذي تأخذه، و ليس في الشريعة أنّ الابن يساوي البنت في الميراث.
فإذا عارضونا بمن خلّف بنتا، و لم يخلّف غيرها، فإنّها تأخذ جميع المال، و لو كان مكانها ابن، لجرى في ذلك مجراها.
فالجواب: أنّ الابن لا يجري مجرى البنت هنا، لأنّها تأخذ النصف بالتسمية، و [النصف] [١] الآخر بالردّ، و الابن يأخذ المال بسبب واحد من غير تسمية و لا ردّ.
و منها: أنّ البنت في الشرع و بظاهر القرآن لها النصف إذا انفردت، و للبنتين الثلثان، و هم يعطون بنت الابن- و هي عندهم بنت المتوفّى، و مستحقّة لهذه التسمية- الجميع، و كذا في بنتي ابن، فإنّ لهما جميع المال من غير ردّ، و هذا بخلاف الكتاب و الإجماع.
فإن قالوا: ما جعل الله للبنت الواحدة النصف، و للبنتين الثلاثين في كلّ موضع، و إنّما جعل لهنّ ذلك مع الأبوين خاصّة، و إذا انفردن عن الأبوين لم يكن لهنّ ذلك.
قلنا: قد ذهب الفضل بن شاذان إلى هذا المذهب و من تابعه عليه فرارا من مسألة العول، و نحن نبيّن فساد هذه الطريقة بعد أن نبيّن لزوم ما ألزمناهم إيّاه على تسليم ما اقترحوه.
فنقول: قد جعل اللّه تعالى للبنت الواحدة النصف، و مذهبكم هذا يقتضي أنّ للأبوين السدسين و ما بقي لبنت الابن، و هي عندكم بنت المتوفّى على سبيل الحقيقة، فقد صارت البنت تأخذ مع الأبوين أكثر من النصف بسبب واحد،
[١] أضفناها من المصدر.
مختلف الشيعة في أحكام الشريعة، ج٩، ص: ٣٠
و جرت في ذلك مجرى الأبوين [١].
فأمّا القول بأنّ للبنت الواحدة النصف، و للبنتين الثلاثين إنّما يختصّ باجتماع الأبوين معهنّ، فمن بعيد القول عن الصواب، لقوله تعالى يُوصِيكُمُ اللّٰهُ فِي أَوْلٰادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [٢] و هذه جملة مستقلّة بنفسها، و ظاهر القرآن يقتضي أنّ للذكر مثل حظّ الأنثيين على كلّ حال، و مع وجود كلّ أحد، و فقد كلّ أحد.
ثمَّ عطف جملة مستقلّة أخرى، فقال فَإِنْ كُنَّ نِسٰاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثٰا مٰا تَرَكَ [٣] ظاهر هذه الجملة أنّ ذلك لهنّ على كلّ حال، و مع فقد كلّ أحد و وجوده.
ثمَّ عطف اخرى مستقلّة، فقال وَ إِنْ كٰانَتْ وٰاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ [٤].
و لم يجر للوالدين ذكر، فهذا يقتضي أنّ لها النصف مع كلّ أحد إلّا أن يمنع دليل.
ثمَّ قال وَ لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وٰاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمّٰا تَرَكَ إِنْ كٰانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَ وَرِثَهُ أَبَوٰاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ [٥] فبيّن تعالى حكم الوالدين في الميراث مع وجود الولد و فقده، فكيف يجوز أن يعلّق إيجاب النصف للبنت الواحدة، و الثلاثين للبنتين بوجود الأبوين، و قد تقدّم ذكر حكم البنات مطلقا، و بعد الخروج عنه أتى بذكر الأبوين مشروطا.
و كيف يتوهّم متأمّل ذلك، و اللّه تعالى يقول إِنْ كٰانَ لَهُ وَلَدٌ فشرط في ميراث الأبوين الولد!؟ و لو كان المراد أنّ النصف للبنت و الثلاثين للبنتين مع وجود الأبوين، لكان اشتراط الولد لغوا، و اشتراطا لما هو موجود مذكور، و لو صرّح تعالى بما ذكروه، لكان الكلام قبيحا خارجا عن البلاغة، فإنّه لو قال: و لأبويه مع البنت أو البنتين لكلّ واحد منهما السدس إن كان له ولد، لقبح.
و أجمع أهل العربيّة على أنّ الوقف التامّ عند قوله تعالى:
[١] كذا في «ب، ص» و الطبعة الحجرية، و رسائل الشريف المرتضى ٣: ٢٥٨، و في السرائر ٣: ٢٣٣: الابن، بدل الأبوين.
[٢] : النساء: ١١.
[٣] : النساء: ١١.
[٤] : النساء: ١١.
[٥] : النساء: ١١.