مختلف الشيعة في أحكام الشريعة - العلامة الحلي - الصفحة ٤٧٩
له و هناك لوث، فحلف المدّعي و استوفى منه الدية ثمَّ جاء رجل آخر فقال:
ما قتله المحلوف عليه و أنا الذي قتلته فالضمان عليّ، فهل للحالف أن يدّعي على المقرّ؟ قال قوم: ليس له أن يدّعي عليه، لأنّ قول الوليّ في الابتداء: ما قتله إلّا فلان وحده، إقرار منه أنّ هذا المقرّ ما قتله و لا تقبل منه دعواه عليه.
و قال آخرون: له أن يدّعي عليه، لأن قول الوليّ: قتله فلان وحده، لم يقطع به، و إنّما قاله بغالب ظنّه، و هذا المعترف يخبر عن قطع و يقين، فكان أعرف بما اعترف به، فلهذا كان له مطالبته به.
و الأقوى عندي الأوّل، لأنّا بيّنّا أنّه لا يجوز له أن يحلف إلّا على علم، و إذا ثبت ذلك فكأنّه قال: أنا أعلم أنّ الثاني ما قتله، فيكون مكذّبا له. على أنّا قد بيّنّا قضيّة الحسن عليه السلام في مثل هذا، و أنّ الدية من بيت المال [١].
و قال في (الخلاف): إذا ادّعى رجل على رجل أنّه قتل وليّا له و هناك لوث، و حلف المدّعي القسامة و استوفى الدية، فجاء آخر و قال: أنا قتلته و ما قتله ذلك، كان الوليّ بالخيار بين أن يصدّقه و يكذّب نفسه و يردّ الدية و يستوفي منه حقّه، و بين أن يكذّب المقرّ و يثبت على ما هو عليه.
و للشافعي قولان، أحدهما: ليس له أن يدّعي على المقرّ، لأنّ قوله في الأوّل: ما قتله إلّا فلان، إقرار منه أنّ هذا المقرّ ما قتله، فلا تقبل منه دعواه عليه، و القول الثاني: له أن يدّعي عليه، لأنّ قول الوليّ: قتله فلان، إنّما هو إخبار عن غالب ظنّه، و المخبر يخبر عن قطع و يقين، فكان أعرف بما قال.
دليلنا: قول النبي صلّى اللّه عليه و آله: (إنّ إقرار العاقل جائز على نفسه) و هو إذا قبل من الثاني فقد كذّب نفسه في الأوّل، فقبل ذلك منه، و إقرار الثاني مقبول على نفسه، لعموم الخبر [٢].
و الوجه: ما قاله الشيخ في (المبسوط) لما علّل به فيه.
[١] المبسوط ٧: ٢٤٢.
[٢] الخلاف ٥: ٣١٥- ٣١٦، المسألة ١٦.