مختلف الشيعة في أحكام الشريعة - العلامة الحلي - الصفحة ٤٥٦
الجرح، كان على عاقلة الجاني الدية إلّا قدر دية الجرح الذي عفا له عنه، فإن كان عفا عن الجرح و ما يتولّد منه، كان ذلك كالوصيّة إن كانت الجناية عمدا فآلت إلى التلف و قد عفا عن الجراح و ما يتولّد منه من قصاص أو دية، فإن قال: إن كانت نفسا، لم يصحّ العفو عن النفس، لأنّ ذلك حقّ يجب لغيره، فنزيل القود للخلاف و الشبهة، و نوجب الدية على القاتل في ماله.
و قال الشيخ في (المبسوط): إذا قطع إصبعه عمدا ثمَّ عفا المجنيّ عليه، فإن سرت إلى الكفّ، فلا قود في الإصبع، لأنّه قد عفا عنه، و أمّا الكفّ بعد الإصبع فلا قود فيها، لأنّه لا قصاص في الأطراف بالسراية، و يجب على الجاني دية ما بعد الإصبع، و هو أربع أصابع، و سواء قال: و عمّا يحدث منها أو لم يقل، لأنّ الحادث هنا وجوب دية ما بعد الإصبع، فهو عفو و إبراء عمّا لم يجب. و إن سرى إلى النفس، فالقود في النفس لا يجب، لأنّه عفا عن القود في الإصبع، و إذا سقط فيها سقط في الكلّ، لأنّ القصاص لا يتبعّض، و هذا القصاص يسقط عن النفس، سواء قلنا: تصحّ الوصية من القاتل أو لا نقول، لأنّ القولين فيما كان مالا، فأمّا القصاص فإنّه يصحّ، لأنّه ليس بمال، بدليل أنّه قد يعفو عن القود من لا يصحّ أن يعفو عن المال، كالمحجور عليه للسفه.
و الذي رواه أصحابنا أنّه إذا جنى عليه فعفا المجنيّ عليه عنها ثمَّ سرى إلى نفسه: أنّ لأوليائه القود إذا ردّوا دية ما عفا عنه على أولياء المقتصّ منه، فإن لم يردّوا لم يكن لهم القود.
فأمّا دية النفس: فإن قال: عفوت عنها و ما يحدث من عقلها.
فإن كان بلفظ الوصيّة فهو وصيّة لقاتل، و هل تصح؟ قال قوم: لا، لقوله عليه السلام: (ليس للقاتل شيء) [١] و قال آخرون: تصحّ. و هو الذي يقتضيه مذهبنا، لأنّه لا مانع منه، فمن قال: لا تصحّ قال: تكون الدية ميراثا. و من قال:
تصحّ، أخرجت من الثلث.
[١] سنن أبي داود ٤: ٦٩٤/ ٤٥٦٤، سنن البيهقي ٦: ٢١٩.