مختلف الشيعة في أحكام الشريعة - العلامة الحلي - الصفحة ٤٥
أو الأب، دون ابن العمّ للأب و الامّ، و لا يحمل على تلك المسألة غيرها، لبطلان القياس و لو لا إجماع الفرقة عليها، لما قلنا بها، لأنّها تخالف الأصول، فينبغي أن تكون الفتيا مقصورا عليها [١].
و قال معين الدين المصري: و اعلم أنّ هذه المسألة قد اختلف في بعض تفريعها بعض أصحابنا المتأخّرين، و المسألة: متوفّى ترك عمّه لأبيه و خاله و ابن عمّه لأبيه و امّه، قال قطب الدين الراوندي: المال للخال و ابن العمّ.
و قال العماد القمّي- يعرف بالطوسي [٢]-: المال للعمّ و الخال، لأنّ ابن العمّ محجوب بالخال.
و قال سديد الدين الحمصي: المال للخال، لأنّ العمّ محجوب بابن العمّ، و ابن العمّ محجوب بالخال.
ثمَّ قال: و الصحيح ما ذكره قطب الدين الراوندي، لأنّ الخال إنّما يحجب ابن العمّ مع عدم كلّ من هو في درجته من ناحية العمومة، فأمّا مع وجود أحدهم لا يقال: إنّه محجوب به، و إنّما هو محجوب بذلك الذي هو من قبل العمّ، فلا يصحّ أن يحجبه مع وجود العمّ أصلا محجوب بالخال، و إنّما هو محجوب بمن بقي من كلالة الأب أرفع منه بدرجة، فلا يصحّ أن يحجب مع وجود العمّ أصلا، لأنّ العمّ صاحب المرتبة في الميراث، و الذي يبقى بعد فرض الخال للعمّ دون الخال، و العمّ الذي له الحقّ لا يمكنه دفع هذا الذي كان غير مستحقّ لو لا الإجماع، فكيف يصحّ حجب هذا الأبعد من الكلالة مع وجود من هو أولى منه بأن يحجب!؟ لأنّه لو كان ابن العمّ غير شقيق، لم يحجبه الخال مع وجود العمّ، و إنّما الذي حجبه العمّ، لأنّه صاحب الباقي و المرتبة، و الخال لا حقّ له مع وجوده سوى فرضه إجماعا، و لم يرد الشرع أنّ الخال يحوز جميع الميراث مع وجود العمّ، و الأحكام الشرعيّة لا يصح إثباتها عندنا بالاستحسان و القياس، و إنّما تثبت بأدلّة قاطعة شرعية معلومة.
[١] السرائر ٣: ٢٤٢.
[٢] كذا في «ب، ص» و الطبعة الحجرية، و في إيضاح الفوائد ٤: ٢٢٨: الطبرسي.
مختلف الشيعة في أحكام الشريعة، ج٩، ص: ٤٦
و أمّا توريث العمّ للأب مع وجود ابن العمّ الشقيق فهو خلاف الإجماع أيضا بتأويل كان الأصل لو لا الإجماع، فإذا حصل الإجماع على خلاف الأصل، بطل الأصل، و صار كالمنسوخ، و المنسوخ ليس بدليل.
و بيان ذلك: أنّ الطائفة أجمعت على أنّ ابن العمّ الشقيق يحجب العمّ للأب، و يرث ما كان يستحقّه بلا خلاف بينهم، و إنّما كان يحجبه عمّا كان يستحقّه خاصّة دون ما يستحقّه غيره.
ألا ترى أنّه يحجبه مع الزوج أو الزوجة و غيرهما، و لا يأخذ إلّا ما كان يستحقّه قليلا كان أو كثيرا.
و الدليل على ما ذكرناه: أنّ الاستثناء ورد مطلقا غير مقيّد، و الأمر الشرعيّ يحمل على عمومه، و الإجماع حاصل على استثناء هذه المسألة، و هي على العموم في كلّ موضع وجدنا فيه عمّا لأب و ابن عمّ شقيق، فمن استثنى ميراث العمّ للأب مع وجود ابن العمّ الشقيق بغيره، أو ورث العمّ للأب مع وجوده فعليه الدليل الذي تثبت به الأحكام الشرعيّة من نصّ معلوم أو كتاب أو إجماع، لأنّه تخصيص للعموم، فلا يندفع إلّا بمثله، و تأويل واحد أو أكثر منه إذا علم أعيانهم ليس بدليل تثبت به الأحكام الشرعية، و قد أجمعنا على أنّ الخال مع العمّ لا يأخذ أكثر من فرضه، فكيف يحوز الجميع مع وجود عمّ مسلم مؤمن!؟ و في أيّ كتاب منزل أو خبر متواتر ورد أنّ ابن العمّ للأب و الامّ يحجب العمّ للأب لكي يأخذ المال!؟
و قد ذكر الشيخ أبو جعفر الطوسي في (النهاية): و لا يرث مع العمومة و العمّات- واحدا كان أو اثنين- أحد من بني العمّ و لا بني العمّة، اختلفت أسبابهم أو اتّفقت، إلّا المسألة التي استثناها في صدر الباب، لأنّهم أقرب ببطن [١].
و هذا كأنّه دافع لاحتجاجهم، و احتجاجهم من أنّ ابن العمّ محجوب بالخال ليس في موضعه، لأنّه موضع الخلاف، و هو غير مسلّم لهم في هذا الموضع،
[١] النهاية: ٦٥٥.