مختلف الشيعة في أحكام الشريعة - العلامة الحلي - الصفحة ٣١٤
و قال ابن إدريس: الذي تقتضيه أصول المذهب و يحكم بصحّته الاستدلال:
أنّ أولياء المقتول بالخيار في تصديق إحدى البيّنتين و تكذيب الأخرى، فإذا صدّقوا إحداهما، قتلوا ذلك المشهود عليه، و لم يكن لهم على الآخر سبيل، و لا يبطل هاهنا القود، لأنّه لا دليل عليه من كتاب و لا سنّة متواترة، بل الكتاب قاض بالقود مع البيّنة في قوله تعالى فَقَدْ جَعَلْنٰا لِوَلِيِّهِ سُلْطٰاناً [١] فمن عمل بهذه الرواية، أبطل حكم الآية رأسا.
و لا وجه لأخذ الدية منهما جميعا، لأنّهما غير مشتركين في القتل، لأنّ البيّنة عليهما بخلاف ذلك، لأنّها تشهد بقتل كلّ واحد منهما على الانفراد دون الاجتماع و الاشتراك.
و يؤيّد هذه المسألة ما يأتي من أنّ من شهد عليه بالقتل، ثمَّ أقرّ آخر بالقتل فللأولياء أن يقتلوا من شاؤوا منهما بغير خلاف، و لا فرق بين الموضعين، لأنّ الإقرار كالبيّنة، و البيّنة كالإقرار في ثبوت الحقوق الشرعية التي تتعلّق بحقوق بني آدم [٢].
و الوجه: ما أفتى به الشيخان.
لنا: أنّهما بيّنتان تصادمتا، و ليس قبول إحداهما في نظر الشرع أولى من قبول الأخرى، و لا يمكن العمل بهما، فيوجب قتل الشخصين معا إجماعا، و لا العمل بإحداهما دون الأخرى، لعدم الأولويّة، فلم يبق إلّا سقوطهما معا فيما يرجع إلى القود، لأنّه تهجّم على الدماء المحقونة في نظر الشرع بغير سبب معلوم و لا مظنون، إذ كلّ واحدة من الشهادتين تكذّب الأخرى، فانتفى العلم و الظنّ بصدق إحداهما، و الحدود- و هي أسهل و أهون- تسقط بالشبهة، فسقوط القود أولى.
و أمّا إيجاب الدية عليهما فلئلّا يطلّ دم امرئ مسلم قد ثبت أنّ قاتله أحدهما، لكن لجهلنا بالتعيين أسقطنا القود الذي هو أعلى العقوبتين، و أوجبنا الدية التي
[١] الإسراء: ٣٣.
[٢] السرائر ٣: ٣٤١- ٣٤٢.