علم الیقین - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٠٥
حنّن قلوب الوالدين عليه للقيام بتدبيره في الوقت الذي كان عاجزا عن تدبير نفسه؛
ثمّ انظر كيف رزقه القدرة و التمييز و العقل و الهداية تدريجا حتّى بلغ و تكامل، فصار مراهقا، ثمّ شابّا، ثمّ كهلا، ثمّ شيخا- إمّا كفورا أو شكورا، مطيعا أو عاصيا، مؤمنا أو كافرا- تصديقا لقوله تعالى:
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً* إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً* إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً [٧٦/ ١- ٣].
فانظر إلى اللطف و الكرم ثمّ إلى القدرة و الحكمة، تبهرك عجائب الحضرة الربوبيّة؛ و العجب- كلّ العجب- لمن [١] يرى خطّا عجبا، أو نقشا حسنا على حائط، فيستحسنه، فيصرف جميع همّه إلى التفكّر في الخطّاط و النقّاش و أنّه كيف خطّه و نقّشه، و كيف اقتدر عليه؛ و لا يزال يستعظمه و يقول: «ما أحذقه، و ما أجمل صنعته و أحسن قدرته»، ثمّ ينظر إلى هذه العجائب في نفسه و في غيره و يغفل عن صانعه و مصوّره، فلا تدهشه عظمته و لا يحيّره جلاله و حكمته.
فهذه نبذة من عجائب بدنك التي لا يمكن استقصاؤها، و هي أقرب مجال تفكّرك و أجلى شاهد على عظمة خالقك؛ و لو ذهبنا نصف ما في آحاد الأعضاء من العجائب و الآيات لانقضت فيه الأعمار؛ و ما فيما لا تدركه الحواسّ- من الروح و المعاني و الصفات الإنسانيّة- أكثر و أعظم؛ و سنشير إلى بعضها فيما بعد إن شاء اللّه.
[١] - المصدر: ممن.