علم الیقین - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٥١
فصل [١٧] [معرفتنا نزر قليل]
اعلم أنّه لو استقصينا أعمارا طويلة لم نقدر على شرح ما تفضّل اللّه- عزّ و جلّ- علينا بمعرفته، و كلّ ما عرفناه قليل نزر بالإضافة إلى ما عرفه جملة الأولياء و العلماء، و ما عرفوه قليل بالإضافة إلى ما عرفه الأنبياء، و الملائكة المقرّبون- كجبرئيل و إسرافيل و غيرهما- صلوات اللّه عليهم-.
ثمّ جميع علوم الأنبياء و الملائكة و الجنّ و الإنس إذا اضيف إلى علم اللّه- سبحانه و تعالى- لم يستحقّ أن يسمّى علما، بل هو إلى أن يسمّى دهشا و حيرة و قصورا و عجزا أقرب؛ فسبحان من عرّف عباده ما عرّف، ثمّ قال مخاطبا جميعهم: وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [١٧/ ٨٥].
فهذا بيان معاقد الجمل التي يجول فيها فكر المتفكّرين في خلق اللّه- عزّ و جلّ- و ليس فيها فكر في ذات اللّه، و لكن تستفاد من الفكر في الخلق لا محالة معرفة الخالق، و عظمته، و جلاله و قدرته، و كلّما استكثرت من معرفة عجيب صنع اللّه كانت معرفتك بجلاله و عظمته أكثر.
و هذا كما أنّك إن تعظّم عالما بسبب معرفتك بعلمه، فلا تزال تطّلع على غريبة غريبة من تصنيفه أو شعره، فتزداد به معرفة، و تزداد بحسبه له توقيرا و تعظيما و احتراما، حتّى أنّ كلّ كلمة من كلماته و كلّ بيت من أبيات شعره يزيده محلّا في قلبك، و يستدعي التعظيم له من نفسك.
فهكذا تأمّل في خلق اللّه و تصنيفه و تأليفه، و كلّ ما في الوجود من