علم الیقین - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٣١
حضيض عالم البهائم إلى عالم الملأ الأعلى، فقد فتحت عينك فأدركت ظاهرها، فغمّض عينك الظاهرة، و انظر ببصيرتك الباطنة، لترى عجائب باطنها، و غرائب أسرارها. و هذا- أيضا- باب يطول الفكر فيه، و لا مطمع في استيفائه.
فتأمّل السحاب الكثيف المظلم، كيف تراه يجتمع في جوّ صاف لا كدورة فيه، و كيف يخلقه اللّه- عزّ و جلّ- إذا شاء و متى شاء؟ و هو مع رخاوته حامل للماء الثقيل، و ممسك في جوّ السماء، إلى أن يأذن اللّه- عزّ و جلّ- في إرساله الماء، و تقطيع القطرات، كلّ قطرة بالقدر الذي أراده اللّه- عزّ و جلّ- و على الشكل الذي شاءه.
فترى السحاب يرشّ الماء على الأرض و يرسله قطرات متفاصلة، لا تدرك قطرة منها اخرى، و لا تتصل واحدة باخرى، بل تنزل كلّ واحدة في الطريق الذي ترسم فيه، لا تعدل عنه، و لا يتقدّم المتأخّر، و لا يتأخّر المتقدّم، حتّى يصيب الأرض قطرة قطرة.
فلو اجتمع الأوّلون و الآخرون على أن يخلقوا منها قطرة واحدة، أو يعرفوا عدد ما ينزل منها في بلدة واحدة، أو قرية واحدة لعجز حسّاب الجنّ و الإنس عنه، فلا يعلم عددها إلّا الذي أوجدها.
ثمّ كلّ قطرة منها عيّنت لكلّ جزء من الأرض، و لكلّ حيوان من طير و وحش و دود، مكتوب على تلك القطرة بخطّ إلهيّ لا يدرك بالبصر الظاهر: «إنّه رزق الدود الفلاني، الذي هو في ناحية الجبل الفلاني، يصل إليه عند عطشه في الوقت الفلاني».
- هذا- مع ما في انعقاد البرد الصلب من الماء اللطيف، و في تناثر الثلوج كالقطن المندوف، و من العجائب التي لا تحصى؛ كلّ ذلك