تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٩٠ - باب ذكر مولد النبي عليه الصّلاة والسّلام ومعرفة من كفله وما كان من أمره قبل أن يوحي الله إليه ويرسله إلى الخلق بتبليغ الرسالة
شئنا من اللبن ما من الحاضر أحد يطلب قطرة ولا يجدها ، فيقولون لرعاتهم : ويلكم ألا تسرحون [١] حيث يسرح راعي حليمة. فيسرحون في الشعب الذي يسرح فيه راعينا ، فتروح أغنامهم جياعا ما لها من لبن ، وتروح غنمي لبّنا حفلا. قالت : وكان ٦ يشب في اليوم شباب الصبي في شهر [٢] ، ويشب في شهر شباب الصبي في سنة. فبلغ سنة [٣] وهو غلام [٤] جفر. قالت : فقدمنا على أمه فقلت لها ، وقال لها أبوه : ردي علينا ابني فلنرجع به ، فإنا نخشى عليه أوباء مكة. قالت : ونحن أضنّ شيء به ، فما رأينا من بركته ، قالت : فلم يزل بها ، حتى قالت : ارجعا به. فرجعنا به فمكث عندنا شهرين ، قالت : فبينما هو يلعب وأخوه يوما خلف البيوت يرعيان [٥] بهما لنا. إذ جاءنا أخوه يشتد فقال لي ولأبيه : أدركا أخي القرشي قد جاءه رجلان فأضجعاه فشقا بطنه ، فخرجنا نحوه نشتد ، فانتهينا إليه وهو قائم ، وهو منتقع [٦] لونه ، فاعتنقه أبوه [٧] واعتنقته. ثم قال : ما لك؟ أي بني ، قال : أتاني رجلان عليهما ثياب بيض ، فأضجعاني ثم شقا بطني فو الله ما أدري ما صنعا. قالت : فاحتملناه فرجعنا به ، قالت : يقول أبوه : والله يا حليمة ما أرى هذا الغلام إلّا قد أصيب ، فانطلقي ، فلنرده إلى أهله قبل أن يظهر ما نتخوف عليه. قالت : فرجعنا به إليها. قالت : ما ردكما ، وقد كنتما حريصين عليه؟
قالت : فقلت : لا والله إلّا أنا كفلناه وأدّينا الحقّ الذي يجب علينا فيه ، ثم تخوّفنا الأحداث عليه ، فقلنا : يكون في أهله.
قالت : فقالت آمنة : والله ما ذاك بكما ، فأخبراني خبركما وخبره ، فو الله ما زالت بنا حتى أخبرنا خبره. قالت : فتخوفتما عليه؟ كلا والله إنّ لا بني هذا شأنا ألا أخبركما
[١] عن خع ، وبالأصل : «وابلكم لا يسرحون» وفي ابن إسحاق : ويحكم انظروا حيث تسرح غنم أبي ذؤيب فاسرحوا معهم.
[٢] بالأصل وخع : «وكان ٦ شب اليوم في شباب الغنى في شهر» وصوبنا العبارة عن مختصر ابن منظور ٢ / ٤٠ والعبارة في ابن إسحاق ص ٢٧ وابن هشام ١ / ١٧٣ وكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان.
[٣] كذا بالأصل وخع ، وفي ابن إسحاق : سنتيه.
[٤] بالأصل وخع : «حفر» والمثبت عن سيرة ابن إسحاق وسيرة ابن هشام والجفر : الغليظ الشديد ؛ يقال : استجفر الصبي إذا قوي على الأكل (النهاية : جفر).
[٥] البهم : واحدتها بهمة ، الصغار من الغنم.
[٦] أي متغير.
[٧] عن خع وسيرة ابن إسحاق ، وبالأصل «أبو بكر».