تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٤٥٢ - باب إخبار الأحبار بنبوته والرهبان وما يذكر من أمره عن العلماء والكهان
جارية منا يقال لها خلصة [١] لم نعلم عليها إلّا خيرا إذ جاءتنا فقالت : يا معشر قريش [٢] العجب العجب لما أصابني ، هل علمتم إلّا خيرا؟ قلنا : وما ذاك؟ قالت : إني لفي غنمي إذ غشيتني ظلمة ووجدت كحسّ الرجل مع المرأة ، وقد خشيت أن أكون قد حبلت حتى إذا دنت ولادتها وضعت غلاما أغضف [٣] له أذنان كأذني الكلب. فمكث فينا حتى إنه ليلعب مع الغلمان إذ وثب وثبة [٤] وألقى إزاره وصاح بأعلا صوته وجعل يقول : يا ويلة يا ويلة ، يا عولة يا عولة ، يا غنم ، يا ويل غنم ، يا ويل فهم ، من قابس النار [٥] الخيل والله وراء العقبة. فيهن فتيان حسان نجبة. قال : فركبنا فأخذنا الأداة [٦] وقلنا : يا ويلك ما ترى؟ قال : هل من جارية طامث؟ قلنا : من لنا بها؟ فقال شيخ : ما هي والله عندي عفيفة الأم ، فقلنا : فعجّلها ، فأتى بالجارية وطلع الجبل وقال للجارية : اطرحي ثوبك ، واخرجي في وجوههم ، وقال للقوم : اتبعوا أثرها ، ثم صاح ، وقال : العقبة وصاح برجل منا يقال له أحمر بن حابس [٧] فقال : يا أحمر بن حابس عليك أول فارس ، فحمل أحمر ، فطعن أول فارس ، فصرعه ، وانهزموا وغنمناهم. قالوا : فابتنينا عليه بيتا وسميناه ذا الخلصة ، وكان لا يقول لنا شيئا إلّا كان كما يقول. حتى إذا كان مبعثك يا رسول الله ، قال لنا يوما : يا معشر دوس نزلت بنو الحارث بن كعب فاركبوا ، فركبنا ، فقال لنا : أكدسوا [٨] الخيل كدسا ، واخشوا القوم رميتنا [٩] ، القوهم غدية ، واشربوا الخمر عشية. قال : فلقيناهم فهزمونا وفضحونا فرجعنا إليه ، فقلنا : ما بالك [١٠] وما الذي صنعت بنا؟ فنظرنا [١١] إليه وقد احمرّت عيناه ، وابيضّت [١٢] أذناه ، واضرم [١٣] غيضا
[١] في ابن كثير : البداية والنهاية ، والسيرة : الخلصة.
[٢] كذا بالأصل وخع ، وفي المصادر السابقة : دوس.
[٣] الأغضف : المتثني والمسترخي الأذنين.
[٤] سقطت اللفظة من الأصل وخع واستدركت عن ابن كثير : البداية والسيرة.
[٥] سقطت من الأصل واستدركت على هامشه وبجانبها كلمة صح.
[٦] كذا بالأصل وخع ، وفي ابن كثير : البداية والسيرة : «للأداة» وهي المناسبة.
[٧] في الأصل : «خانس» والمثبت عن ابن كثير ، وفي كتابيه : أحمد بن حابس.
[٨] بالأصل : «كدسوا» وفي خع : «كرشوا» والمثبت عن ابن كثير : السيرة والبداية والنهاية.
[٩] في ابن كثير : البداية والسيرة : واحشوا القوم رمسا.
[١٠] الأصل وخع وفي ابن كثير : سيرة وبداية ونهاية : ما حالك.
[١١] بالأصل «فنظر» عن خع.
[١٢] في ابن كثير : السيرة والبداية : وانتصبت.
[١٣] في ابن كثير : وانبرم.