تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٤٣٠ - باب إخبار الأحبار بنبوته والرهبان وما يذكر من أمره عن العلماء والكهان
| تبتغي [دفع][١] بأس يوم عبوس | أوجل القلب ذكره ثم هالا |
فلما سمع النبي عليه الصّلاة والسلام فرح فرحا شديدا وقرّبه وأدناه ، ورفع مجلسه وحيّاه وأكرمه وقال : «يا جارود لقد تأخر بك وبقومك الموعد ، وطال بكم الأمد» قال : والله يا رسول الله ، لقد أخطأ من أخطأك قصده ، وعدم رشده ، وتلك أيم الله أكبر خيبة وأعظم حوية ، والرائد لا يكذب أهله ، ولا يغش نفسه ، لقد جئت بالحق ، ونطقت بالصدق ، والذي بعثك بالحق نبيّا واختارك للمؤمنين وليّا ، لقد وجدت وصفك في الإنجيل ، ولقد بشّر بك ابن البتول ، فطول التحية لك ، والشكر لمن أكرمك وأرسلك.
لا أثر [٢] بعد عين ، ولا شك بعد يقين [٣] ، مدّ يدك فأنا أشهد أن لا إله إلّا الله ، وأنك محمد رسول الله.
قال فآمن الجارود وآمن من قومه كلّ سيّد. فسر النبي ٦ سرورا ، وابتهج حبورا ، وقال : «يا جارود ، هل في جماعة وفد عبد القيس من يعرف لنا قسّا؟» قال : كلنا نعرفه يا رسول الله ، وأنا من بين قومي كنت أقفو أثره ، وأطلب خبره. كان قسّ [٤] سبطا من أسباط العرب ، صحيح النسب ، فصيحا إذا خطب ، ذا شيبة حسنة ، عمّر سبعمائة سنة ، يتقفر القفار ، لا تكنه دار ، ولا يقره قرار ، يتحسى في تقفره بيض النعام ، ويأنس بالوحش والهوام ، يلبس المسوح ويتبع السياح على منهاج المسيح ، لا يفتر من الرهبانية ، يقر لله تعالى بالواحدانية يضرب بحكمته الأمثال ، ويكشف به الأهوال ، وتتبعه الأبدال ، أدرك رأس الحواريين سمعان ، فهو أول من تأله من العرب ، وأعبد من تعبد في الحقب [٥] ، وأيقن بالبعث والحساب وحذر سوء المنقلب والمآب [٦] ووعظ بذكر الموت ، وأمر بالعمل قبل الفوت. الحسن الألفاظ ، الخاطب بسوق عكاظ ، العالم بشرق وغرب ، ويابس ورطب ، أجاج وعذب ، كأني أنظر إليه ، والعرب بين يديه ، يقسم بالرب الذي هو له ليبلغنّ الكتاب أجله ، وليوفّينّ كل عامل عمله. وأنشأ يقول :
[١] عن خع والبيهقي والمختصر ، سقطت من الأصل.
[٢] عن البيهقي ، وبالأصل وخع : «لا أرى».
[٣] عن البيهقي وخع ، وبالأصل : بين.
[٤] بالأصل وخع : «قال قس» والمثبت عن البيهقي.
[٥] عن البيهقي والمختصر ، وبالأصل وخع : العقب.
[٦] عن البيهقي والمختصر ، وبالأصل وخع : والممات.