دراسات في الأصول / تقريرات - السيد صمد علي الموسوي - الصفحة ٢٣٦ - الجهة الثالثة في أنّه لا بدّ للوضع من موقعيّة تقتضي تحقّقه فيها،
الناس و أنّ تفهيمه من طريق الإشارة مشكل وضع هذا اللفظ لهذا المعنى؛ لغرض السهولة في التفهيم و التفهّم، فإذا جاء رسول من اللّه تعالى بدين جديد و مسلك حادث كان موقعيّة وضعه من حين تبعيّة الناس له و رغبتهم إليه و بسط دينه، فهو بعد ملاحظة احتياجه و احتياج امّته إلى استعمال الألفاظ في المعاني المستحدثة يضع الألفاظ للمعاني على فرض تحقّقه بسبب النبيّ ٦.
و بناء على ذلك كان المقتضي له زمان تقرّره و حياته في المدينة، لا زمان حياته في مكّة، حيث إنّ تابعيه في ذلك الزمان كانوا في غاية القلّة، مع أنّا نرى وجود ألفاظ العبادات في الآيات المكّيّة النازلة في ابتداء البعثة، كقوله سبحانه في سورة المزمّل: وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ [١]، و قوله تعالى في سورة الأعلى: وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [٢].
و لا شكّ في أنّ المراد من الصلاة هي العبادة المخصوصة، و أنّ دلالتها عليها ليست بمعونة قرينة حاليّة أو لفظيّة، فإنّا نرى عدم وجود قرينة لفظيّة في الآية، و أمّا القرينة الحاليّة فليست مناسبة للكتاب الذي كان بعنوان معجزة باقية إلى يوم القيامة، فكيف وضع رسول اللّه ٦ هذه الألفاظ لتلك المعاني مع أنّ الموقعيّة لم تقتضيه أصلا؟!
و أمّا قوله ٦ في حديث: «صلّوا كما رأيتموني اصلّي» [٣] فليس بقرينة، بل هو مؤيّد لعلم الناس بكون الصلاة عبادة مخصوصة و جهلهم بكيفيّتها، و قد مرّ أنّ الجهل بالكيفيّة لا ينافي أصل التحقّق، فكان رسول اللّه ٦ يرشدهم إلى الكيفيّة بهذه الجملة، كإرشاد العالم الجاهل إلى الكيفيّة في زماننا هذا.
[١] المزمل: ٢٠.
[٢] الأعلى: ١٥.
[٣] البحار ٨٢: ٢٧٩.