دراسات في الأصول / تقريرات - السيد صمد علي الموسوي - الصفحة ١٤٤ - المعنى الحرفي
حينئذ لكلمة «من» معنى الابتدائيّة يلزم التجوّز في الاستعمال، و هو كما ترى، فانحصر أن يكون الدال عليها هي الحروف، و معلوم أنّ دلالتها عليها ليست إلّا من جهة وضعها بإزائها، فبطلان هذا القول من الواضحات الأوّليّة.
القول الثالث: ما اختاره المحقّق النائيني (قدّس سرّه) [١] و هو: أنّ المعاني الحرفيّة و المفاهيم الاسميّة متباينان بالذات و الحقيقة؛ إذ المفاهيم الاسميّة مفاهيم إخطاريّة لها تقرّر و ثبوت في عالم المفهوميّة، و لها استقلال ذاتا في ذلك العالم، و أمّا المعاني الحرفيّة فهي معان إيجاديّة حين الاستعمال، و لا تقرّر لها في عالم المفهوميّة و لا الاستقلال.
بيان ذلك: أنّه كما أنّ الموجودات في عالم العين على نوعين- أحدهما: ما يكون له وجود مستقلّ بحدّ ذاته كالجواهر بأنواعها، فإنّ وجودها لا يحتاج إلى موضوع محقّق في الخارج. و ثانيهما: ما يكون له وجود غير مستقلّ و متقوّم بالموضوع كالمقولات التسع العرضيّة؛ إذ لا يعقل تحقّق عرض بدون موضوع يتقوّم به- فكذلك الموجودات في عالم الذهن على نوعين:
أحدهما: ما يكون له استقلال بالوجود في عالم المفهوميّة و الذهن كمفاهيم الأسماء بجواهرها و أعراضها، فإنّ مثل مفهوم الإنسان و السواد و البياض يحضر في الذهن بلا حاجة إلى معونة خارجيّة.
و ثانيهما: ما لا استقلال له، بل هو متقوّم بالغير في ذلك العالم كمعاني الحروف؛ إذ لا استقلال لها في أيّ وعاء من الأوعية التي فرض وجودها فيها لنقصانها في حدّ ذاتها، و لذا إن أطلقت كلمة «من» و أمثال ذلك وحدها من دون ذكر متعلّقاتها لا يحضر منها شيء في الذهن.
[١] فوائد الاصول ١: ٣٧.