خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ٤٥ - ز-ثقافته
فيجانب بها أحيانا شروط البلاغة.
كما أنّ للتكرار مجالا واسعا في شعر ابن حجّة، سواء كان تكرارا لما قاله شعراء عصره، أو تكرارا لما جاء في شعره في أماكن متعدّدة، و إن دلّ هذا على شيء فإنما يدلّ على كسل فكريّ ظاهر عنده، و عجز عن الابتكار و الإبداع. بالإضافة إلى ذلك فقد حفل أدبه بلوازم مهنته كمنشئ في ديوان الإنشاء، فيأتي على ذكر السطر، و الصفحة، و النقط و الإشكال و الإعجام و الكتابة و الضبط و النسخ و التصحيح...
و من خصائص شعره كثرة المقطّعات الصغيرة، حتى لتكاد تبلغ ثلث ديوانه [١] .
و من أهم المميزات السائدة في شعره إكثاره من الضرورات الشعرية حتى لقد بلغت في ديوانه «جنى الجنّتين» ثلاثمائة و خمسا و عشرين ضرورة، قد أحصاها تلميذه النواجيّ في ما عاد إليه من شعره؛ منها صرف ما لا ينصرف، و مدّ المقصور، و قصر الممدود، و عدم فكّ الإدغام في آخر الفعل المسند إلى ضمير رفع متحرك، بل يسير على ما سارت عليه العامة من إضافة ياء بين الإدغام و الضمير [٢] .
و لإبراز منزلة ابن حجّة الأدبية و الشعريّة بين أدباء عصره و شعرائه لا بدّ من النظر في مجمل الظواهر التي اشترك بها شعراء العصر، و أهمّها: ظاهرة التصنّع بل الإغراق و التطرّف فيه، و ظاهرة المعارضات، و لا سيّما لقصائد الشعراء الكبار كالمتنبّي [٣] ؛ و ظاهرة السرقات الشعريّة، و ظاهرة تبادل التقاريظ؛ فمن خلال تلك الظواهر تبدو منزلة ابن حجّة الكلّية ألا و هي أنه شاعر أديب من أحسن أدباء قرنه، و من أوسط شعراء عصره.
-ابن حجّة الناقد: لقد عرف الأدب العربيّ النقد منذ العصر الجاهليّ، و إن كانت أحكامه أحكاما عابرة، إلاّ أنه أخذ يتّسع في العصر العباسيّ، حتى تسرّبت إليه عناصر أخرى كالبلاغة فامتزجت به، و قد ظنّ النقّاد الأوائل أنها من صميم النقد و لوازمه، و هي في الحقيقة من مشوبات النقد و مشوّهاته؛ و من هنا راح ابن حجّة الناقد يمزج النقد بالبلاغة في كثير من مؤلّفاته؛ و هذا لا يعني أنّه لم يترك لنا آراء نقديّة خالصة، بل يكاد يعتبر ناقد
[١] انظر ديوانه ورقة ٧٢ ب، ٧٨ أ-٨١ أ.
[٢] «ابن حجة الحموي شاعرا و ناقدا» ص ١٨٣.
[٣] و انظر خزانة الأدب و غاية الأرب ٢/١٧٨.