خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ٢٧٢ - ٢-الفوائد العلمية في هذه المؤلّفات
على إيراد مقطّعات كاملة في شرحه، بل قصائد طويلة، فكثيرا ما تراه لا يكتفي بالبيت المطلوب شاهدا، بل يعزّزه بذكر مناسبته و موضوعه من القصيدة، و ربّما يغرم بالقصيدة كلها لجمالها فلا يتوانى عن إيرادها كاملة، أو قريبة من الكمال، و قد لا يشبع نهمه هذا، فيبدأ بذكر ما استحسن لهذا الشاعر و استجيد له، دون أن يشترط موافقة ذلك لموطن الاستشهاد الذي هو فيه، و قد يخطر له أن يطنب فيأتي على ذكر عثرات هذا الشاعر و المستقبح من شعره، بالإضافة إلى ما ذكره من المستجاد له، و هكذا تتوالى أمامك الأبيات الشعريّة دون أن تقتصر على شاعر أو عصر معيّن.
و لهذا مزيّتان: إحداهما: أنها من أبيات الاستشهاد إن لم تكن استطرادا. و ثانيتهما:
أنها كانت تؤخذ من عصور مختلفة تبدأ بالعصر الجاهليّ و تنتهي بعصر المؤلّف، و ما يزيد هذه الشواهد الشعريّة أهمية أنّ ابن حجّة عند ما يصل إلى زمنه، و يستشهد بشعر معاصريه و أصدقائه، فإنّ ما يورده لهم، غالبا، نفتقر إليه، لإغفاله من قبل كتب الشعر و الأدب، و قد لا نجد له ذكرا في غير هذا الشرح. و يكفي أن ننظر في الشواهد الشعرية الموجودة في «الخزانة» لتجد مصداق ذلك.
د-الشواهد النثريّة:
بما أنّ ابن حجّة كان شاعرا و ناثرا، و بما أنّ البلاغة لم تكن مقتصرة على الشعر دون النثر، أصبح من الطبيعيّ أن لا تقتصر شواهده على الشعر، بل إنه وجد في النثر مادّة أخرى تكشف عن جانب من جوانب ثقافته، و تنمّ عن طول باعه في هذا المجال، فكادت أمثلته النثرية بقدر أمثلته الشعريّة أو دونها بقليل، فاتخذ من أقوال البلغاء و خطب العلماء و أمثال الفصحاء و مناظرات الأدباء و رسائلهم مادّة هامّة في الاستشهاد بها إلى جانب الشعر. و على طريقته في الاستشهاد بالشعر، سار في الاستشهاد بالنثر، فالشاهد النثريّ قد يكون مثلا سائرا، أو بعض خطبة، و قد يطول ليصل إلى تضمين الشرح رسالة كاملة، كما فعل في باب «التغاير» من تضمينه لرسالة المفاخرة و المغايرة بين «السيف و القلم» .
هـ-لمحات نقديّة:
لقد استطاع ابن حجّة أن يميّز في أثناء شرحه بين الحسن و القبيح، و الجيّد و الرديء، من خلال لمحات و إشارات عديدة، و وقفات فاحصة في أثناء شرحه، تعبّر عن موقفه و توضّح منهجه في النقد، و تشير إلى ملامح النقد في عصره بشكل عامّ،