خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ٢٦٥ - ١-المؤلّفات المنبثقة عن بديعيّته
فهذّبت الشاعرية قلمه، و قعّد القلم شعره، فهو لم يكتف بنظم البديعية معارضا بها من سبقه (الحلّيّ و الموصليّ) ، بل جعل همّه في شرحها، و التنبيه على مستغلقاتها، و الإشارة إلى مواطن الاستشهاد فيها، بشرح يطول و يتّسع تارة كما في خزانته هذه، أو يختصر و يضيق تارة، كما في كتابه «ثبوت الحجّة على الموصليّ و الحلّيّ لابن حجّة» ، و في كلا الحالتين كان شرحه مسرحا وضيئا بفنون الأدب الشعريّ و النثريّ، و القصص و الأمثال، و لمحات النحو و الصرف و العروض و التاريخ و التراجم...
إضافة إلى الشواهد من الشعر و النثر، و آيات القرآن الكريم و أحاديث الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) ، و غيرها، حتى غدت شروحه مطيّة ليكشف بها عن مكنون صدره، و ليعرض من خلالها مدّخر علمه و أدبه ممّا جمعه و حواه؛ و من هنا فدراسة أثر بديعية ابن حجّة و شرحها في الأدب تنطلق باتجاهين اثنين: أوّلهما: من حيث كثرة التآليف التي قامت حولها أو عارضتها أو انبثقت منها؛ و ثانيهما: من حيث الفوائد العلمية في هذه التآليف.
١-المؤلّفات المنبثقة عن بديعيّته:
سبقت الإشارة إلى أنّ ابن حجّة نظم بديعيته لدوافع كثيرة منها معارضة الحلّيّ و الموصليّ، نزولا عند رغبة صديقه محمد بن البارزيّ، و قد ارتبطت فكرة النظم عنده بفكرة التأليف، فعمد إلى بديعيته يشرحها، فكان له فيها شرحان: شرح مطوّل و هو المسمّى بـ «خزانة الأدب و غاية الأرب» ، و شرح مختصر سمّاه «ثبوت الحجّة على الموصليّ و الحلّيّ لابن حجّة» . و لم يقتصر التأليف على شرحيه هذين بل انطلقت من بديعيته شروح أخرى لغيره و معارضات كثيرة، و مؤلّفات لم تكن شروحا لها، بل كانت في النقد و البحث في السرقات، و الاحتجاج لهذا أو لذاك.
و لم يكن صنيع ابن حجّة في شرحه لبديعيته إلاّ اقتداء برائده الأوّل صفيّ الدين الحلّيّ الذي نظم بديعيته ثمّ شرحها و عقّب على أبياتها دالاّ على النوع و مواطن الاستشهاد. و لو نظرت في شرح بديعيّته لوجدت فيها الكثير من بضاعته و علمه و أدبه الشعريّ و النثريّ، و تفاخره فيما كان يحمل من إحاطة بفنون الشعر و الأدب، و الإدلال بمقدرته على الخوض في عباب هذا التيّار الزاخر الذي يتطلّب الكثير، فالبديع و أنواعه في قصيدته، بل البديعية ذاتها، لم تكن سوى مطيّة يتوسّل بها أغراضا أخرى، و لهذا تجاوز شرحه الحجم المعروف عند الشروح السابقة له عند الصفيّ و الموصليّ. و يكفي