خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ٢٥٤ - الفصل السّادس بديعية ابن حجّة الحمويّ و شرحها
و أراجعه ببيت له على المناظرة طاقة، فصرت أعرب عن بناء كلّ بيت له على المناظرة طاقة، فيحكم لي بالسبق، و ينقلني إلى غيره، و قد صارت لي فكرة بإرشاده إلى الغايات سبّاقة، فجاءت بديعيّة هدمت بها ما نحته الموصليّ في بيوته من الجبال، و جاريت الصفيّ مقيّدا بتسمية النوع، و هو من ذلك محلول العقال، و سمّيتها «تقديم أبي بكر» علما أنّه لا يسمع من الحلّيّ و الموصليّ في هذا «التقديم» مقال. و كان...
هو الذي مشى أمامي و أشار إلى هذا السّلوك و أرشد، فاقتديت برأيه العالي، و هل يقتدي أبو بكر بغير محمّد؟» [١] .
من هذه المقدّمة يبدو أنّ هدف ابن حجّة أن يجمع في بديعيّته، محاسن البديعيّتين: محاسن بديعية الحلّيّ بما فيها من رقّة السحر الحلال، و محاسن فكرة الموصليّ بالتزام ذكر اسم النوع، بالإضافة إلى محاسن بردة البوصيريّ، و بناء على هذا وضع ابن حجّة نصب عينيه كلاّ من البديعيّتين، محاولا استبعاد كل المآخذ التي أخذت على كلّ منهما، متّبعا في ذلك المنهج التالي:
أ-كان ينظم البيت البديعيّ في مدح الرسول، (صلى اللّه عليه و سلم) ، و على بحر البسيط، و قافية الميم المكسورة، متضمّنا النوع البديعيّ مشيرا إلى اسم هذا النوع. و هذا الالتزام بكلّ هذه الشروط جعل ابن حجّة ينوء تحت وطأة هذه القيود الثقيلة، إذ ليس من اليسير أبدا أن يوزّع الشاعر فكره و انتباهه إلى التوفيق بين عدّة عناصر قد تكون متعارضة أشدّ التعارض في بعض الأحيان، و قد تحمل الشاعر على التخلّي عن بعض الشروط من أجل استيفاء بعض الشروط الأخرى، إلاّ أن محمد بن البارزيّ كان ينقّح له البديعيّة، و يذكره دائما بالتزام الرقّة الحلّيّة، و لهذا كان يأمره بهدم بيت أنفق في تشييده كثيرا من الجهد لخلوّه من الرقّة، و هي من العناصر الخفيّة التي اشترط ابن البارزيّ توفّرها في القصيدة البديعية، و غالبا ما كان ابن البارزيّ يقارن بين بيت بديعية ابن حجة و بيت بديعية الحلّيّ.
ب-أكثر ابن حجة من الشواهد في شرح بديعيّته، فطاف بالقرآن الكريم و الحديث النبويّ الشريف، و أخذ منهما ما أمكنه أخذه، كما عرّج على الشعر القديم، و انتزع منه شواهد على النوع البديعيّ، ثمّ عرّج بطريقه على شعر المولّدين
[١] خزانة الأدب و غاية الأرب ١/٣٠٤-٣٠٦..