خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ٢٥٣ - الفصل السّادس بديعية ابن حجّة الحمويّ و شرحها
و تفوقها، و قد دفعه إلى المضيّ قدما في هذا الميدان صديقه ناصر الدين محمد بن البارزيّ الذي وقف في دمشق على بديعية عزّ الدين الموصليّ، و رسم له مخطّط معارضتها، و ربّما كانت رغبة البارزي فيما بعد، هي نفسها التي دفعته إلى شرح هذا الكتاب الضخم، بل ربما كانت هناك دوافع أخرى غير رغبة ابن البارزيّ، كحبّ ابن حجّة للمعارضات و الشهرة و حبّ الظهور، إذ صرّح في خطبة خزانته بمعارضته الصفيّ و الموصليّ، و البوصيريّ في بردته كذلك، فأراد أن يجمع محاسن الثلاثة ليبزّهم و يتفوّق عليهم، هذا بالإضافة إلى دافع حبّه للتأليف و الاستكثار فيه، و لما وقعت بين يديه مجموعة من كتب البلاغة و البديع، و أتيح له الوقوف عليها، أخذ على نفسه أن ينظم هذه البديعية و يعكف على شرحها، إلاّ أنّ الدافع الأوّل و هو رغبة ابن البارزيّ يبقى على رأس هذه الدوافع، و قد أشار إلى ذلك كلّه في خطبة خزانته، إذ قال: «فهذه البديعية التي نسجتها بمدحه (صلى اللّه عليه و سلم) ، على منوال طرح البردة، كان مولانا... الناصريّ محمد بن البارزيّ الجهنيّ الشافعيّ، صاحب دواوين الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية... هو الذي ثقّف لي هذه الصعدة، و حلب ضرعها الحافل لحصول هذه الزبدة، و ما ذاك إلاّ أنّه وقف بدمشق المحروسة على قصيدة بديعية للشيخ عزّ الدين الموصلي... التزم فيها تسمية النوع البديعيّ، و ورّى به من جنس الغزل، ليتميّز بذلك على الشيخ صفيّ الدين الحلّيّ... لأنّه ما التزم في بديعيته بحمل هذا العبء الثقيل، غير أنّ الشيخ عزّ الدين ما أعرب عن بناء بيوت ما أذن اللّه أن ترفع، و لا طالت يده لإبهام العقادة إلى شيء من إشارات ابن أبي الإصبع، و ربّما رضي في الغالب بتسمية النوع و لم يعرب عن المسمّى، و نثر شمل الألفاظ و المعاني لشدّة ما عقده نظما[من الطويل]:
فيا دارها بالخيف إنّ مزارها # قريب و لكن دون ذلك أهوال [١]
فاستخار اللّه مولانا... الناصريّ... و رسم لي بنظم قصيدة أطرّز حلّتها ببديع هذا الالتزام، و أجاري الحلّيّ برقّة السحر الحلال الذي ينفث في عقد الأقلام، فصرت أشيّد البيت فيرسم لي بهدمه، و خراب البيوت في هذا البناء صعب على الناس، و يقول: بيت الصفيّ أصفى موردا و أنور اقتباس، فأسنّ كلّ ما حدّه الفكر
[١] تخريج هذا البيت في خطبة خزانة الأدب و غاية الأرب ١/٣٠٥.
غ