خزانة الأدب و غاية الإرب - ابو بكر بن علي الحجة القادري الحموي - الصفحة ١٢٣ - ٧-نشأة علم البديع و تطوّره حتى زمن ابن حجّة الحموي
أخرى لبعض الصور البيانية و المحسنات البديعية كالجناس و الطباق [١] . ثم جاء في المصدر نفسه: أنّ أوّل من فتق البديع من المحدثين هو بشّار بن برد، و ابن هرمة و هو آخر من يستشهد بشعره من العرب. ثم اتبعهما مقتديا بهما كلثوم بن عمرو العتابيّ، و منصور النمريّ، و مسلم بن الوليد، و أبو نواس، ثم حبيب بن أوس الطائيّ، و أبو عبادة البحتري، و عبد اللّه بن المعتزّ، فانتهى علم البديع و الصنعة إليه، و ختم به، و قيل: إنّ بشّارا أبو المحدثين [٢] .
و شاع هذا اللون «البديع» في الأدب و لجّ المولّدون في اصطناعه و تباهوا بالسبق إليه ممّا حدا بالخليفة العبّاسيّ الشاعر ابن المعتزّ إلى أن يؤلّف «كتاب البديع» ليعلم أن بشّارا و مسلما و أبا نواس و من تقيّلهم و سلك سبيلهم لم يسبقوا إلى هذا الفنّ، و لكن كثر في أشعارهم فعرف في زمانهم حتى سمّي بهذا الاسم فأعرب عنه و دلّ عليه، و ليعرّف أنّ المحدثين لم يسبقوا المتقدّمين إلى شيء من أبواب البديع. ثم قال: «إنّ حبيب بن أوس الطائيّ من بعدهم شغف به حتى غلب عليه و تفرّع فيه و أكثر منه فأحسن في بعض ذلك و أساء في بعض... » [٣] .
يتّضح ممّا سبق أنّ أوّليّات «علم البديع» ظهرت في محاولة الشاعر العباسيّ مسلم ابن الوليد في إطلاقه هذا المصطلح على بعض الصور البيانية و المحسّنات البديعية، ثم جاء الجاحظ في كتابه «البيان و التبيين» ليطلق المصطلح نفسه على مختلف فنون البلاغة، و ذلك ظاهر في تعليقه على بيت الأشهب بن رميلة حيث يسمّي الاستعارة بديعا، دون أن يحاول وضع مصطلحات و تعريفات لأنواع البديع، إذ إنّ اهتمامه عند الكلام عنها كان بتقديم الأمثلة و النماذج، لا بوضع القواعد؛ إلاّ أنّ أوّل من قام بوضع قواعد مستنبطة من الشعر ليكوّن منها علما مستقلاّ قائما بذاته هو أحمد بن يحيى، ثعلب، و قد ألّف كتابا سمّاه «قواعد الشعر» جمع فيه أكثر الأنواع البديعيّة التي وجدها في زمانه، فتكلّم على التشبيه و لطافة المعنى (الكناية) و المطابقة... ، كما أطلق لفظ «نعوت الشعر» على ما يسمّى اليوم بالجناس و التسهيم و الإيغال
[١] الأغاني ١٩/٣٦؛ و علم البديع (عبد العزيز عتيق) ص ١١.
[٢] العمدة ١/٢٢٩.
[٣] كتاب البديع ص ١.