أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٢٣ - أدلّة القائلين بعدم تحريف كتاب اللَّه
الحجّة ٧ و حينئذٍ لا تدلّ الآية على المدّعى.
قلنا: إنّ للحفظ معناً عرفياً لا يصدق على شيء من المعنيين (الحفظ الكلّي و الحفظ الجزئي) و هو كون الكتاب في أيدي الناس و وجوده بينهم، فالمراد من قوله تعالى «لحافظون» لحافظونه عند الناس و بينهم لا بمعنى حفظ جميع المصاديق أو مصداق من مصاديقه، كما أنّه إذا قيل «إنّ ديوان الشاعر الفلان موجود و محفوظ إلى اليوم» لا يكون المقصود منه أنّ جميع مصاديقه بقيت محفوظة أو مصداق من مصاديقه محفوظ في متحف من المتاحف بل المراد منه بقاؤه بين الناس و بين أيديهم كما لا يخفى.
إن قلت: إنّ هذه الآية مكّية تشمل الآيات النازلة إلى زمان نزولها لا غيرها.
قلنا: لا خصوصيّة للآيات المكّية قطعاً لأنّ القرآن كتاب هداية يحتاج إليه الناس في هدايتهم، و لا فرق في هذه الجهة بين آية و آية، و حفظ بعضها دون بعض من جانب الحكيم لغو و ترجيح بلا مرجّح.
و بالجملة هذا الإشكال من أضعف الإشكالات و أردئها.
و منها: قوله تعالى «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَايَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ» [١].
و قبل تقريب الاستدلال بها لا بدّ من تعيين خبر «إنّ» في قوله تعالى: «إنّ الذين كفروا ...» فنقول: فيه ثلاث وجوه:
الأوّل: (و هو أحسنها الذي ذهب إليه الطبرسي (رحمه الله) في مجمع البيان) أن يكون الخبر في التقدير، أعني «سوف يجازيهم اللَّه» أو «سيجازيهم اللَّه».
الثاني: أن يكون الخبر قوله تعالى في بعض الآيات اللاحقة «اولئك ينادون من مكان بعيد»، لكن هذا المقدار من الفصل بين المبتدأ و الخبر بعيد في الكلام الفصيح.
الثالث: أن يكون الخبر قوله تعالى: «و إنّه لكتاب عزيز» بأن يكون المقصود منه أنّه لا يقدر أحد على أن يغلب كتاب اللَّه لكونه عزيزاً، فوقع علّة الخبر موقعه.
و كيف كان فتقريب الاستدلال بهذه الآية على عدم التحريف يتوقّف على بيان معنى
[١] سورة فصّلت: الآية ٤١- ٤٢.