أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٨٦ - ٣- حجّية الشهرة الظنّية
و إذن لا يصحّ الاستدلال بهما في محلّ البحث، لأنّ المفروض أنّ محلّ النزاع هو الشهرة في الاصطلاح، أي الشهرة الفتوائيّة التي توجب الظنّ بقول المعصوم ٧.
هذا كلّه بالنسبة إلى الأمر الثاني لحجّية الشهرة.
الأمر الثالث: فهو ما نقله المحقّق النائيني (رحمه الله) و هو الاستدلال بذيل آية النبأ من التعليل بقوله تعالى: «أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ» بتقريب أنّ المراد من الجهالة السفاهة و الاعتماد على ما لا ينبغي الاعتماد عليه، و معلوم أنّ العمل بالشهرة و الاعتماد عليها ليس من السفاهة و فعل ما لا ينبغي [١].
و فيه: أنّ غاية ما يقتضيه هذا التعليل هو عدم حجّية كلّ ما فيه جهالة و سفاهة، و هذا لا يقتضي حجّية كلّ ما ليس فيه جهالة و سفاهة إذ ليس له مفهوم حتّى يتمسّك به، أ لا ترى أنّ قوله «لا تأكل الرمّان لأنّه حامض» لا يدلّ على جواز أكل كلّ ما ليس بحامض.
و الإنصاف أنّ هذا الدليل لشدّة وهنه لا يليق بالذكر.
هذا كلّه بالنسبة إلى القول بحجّية الشهرة مطلقاً، و أمّا القول بالتفصيل بين الشهرة عند القدماء و الشهرة عند المتأخّرين فيستدلّ القائلون به بتعبّد القدماء بالعمل بالأخبار و متون الرّوايات و عدم الاعتناء بالأدلّة العقليّة و الاستحسانات (كما مرّ ضمن بيان مقدّمة كتاب المبسوط) و يتّضح لنا ذلك ببيان التطوّرات الفقهيّة التي مرّ بها تاريخ الفقه الشيعي فنقول: كان فقه الشيعة ينتقل من الأئمّة المعصومين : إلى شيعتهم يداً بيد و جيلًا بعد جيل من دون وجود حلقة مفقودة، لكن بطيّ مراحل مختلفة، ففي أوائل عصر الأئمّة : كانت الشيعة تأخذ الرّوايات من أئمّتهم من دون أن يكون لهم تدوين و تأليف، ثمّ في مرحلة اخرى جمعوها في كتب و رسائل عديدة انتهت إلى أربعمائة كتاب، و سمّيت بالاصول الأربعمائة، لكن كلّ هذا من دون تنظيم و ترتيب و تبويب مطلوب، ثمّ في مرحلة ثالثة تصدّوا لتنظيمها و تبويبها مع ذكر إسنادها و كانوا يكتفون بها للفتوى، ثمّ وصلت النوبة إلى مرحلة رابعة و هي مرحلة الفتوى، فكانوا يفتون في المسألة في بدء هذه المرحلة بألفاظ الأحاديث و متونها، و ذلك بحذف الإسناد و تخصيص العمومات بمخصّصاتها و تقييد المطلقات بمقيّداتها و حمل التعارضات و الجمع أو الترجيح بين المتعارضات نظير ما صنع به علي بن بابويه والد الصدوق (رحمه الله)، و لذلك كان
[١] فوائد الاصول: ج ٣، ص ١٥٥، طبع جماعة المدرّسين.