أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٥٨ - المقام الثاني في إمكان إدراك الحسن و القبح الذاتيين بالجملة
و منها: أنّ أفعال العباد غير صادرة عنهم باختيارهم فلا تتّصف بالحسن و القبح بالمعنى المتنازع فيه، و هو استحقاق المدح أو الذمّ على إتيانها، لأنّ الاستحقاق موقوف على وجود الاختيار.
و الجواب عنه حلّاً: أنّه مبني على مبنى فاسد و هو القول بالجبر.
و نقضاً: أنّ هذا الوجه بعينه جارٍ بعد ورود حكم الشرع بالحسن و القبح مع أنّهم ملتزمون بهما بعد ورودهما في الشرع.
و منها: أنّ القول بحسن الأفعال و قبحها يستلزم قيام المعنى بالمعنى، و الظاهر أنّ مرادهم العرض بالعرض، و هو محال، وجه الملازمة: أنّ الأفعال من مقولة الفعل كما أنّ الحسن و القبح أيضاً من مقولة الكيف.
و الجواب عنه أوّلًا: بالنقض بأنّ هذا يرد على الحسن و القبح الشرعيين أيضاً و ثانياً: بالحلّ فإنّه لا دليل على استحالة قيام العرض بالعرض، فكم من عرض قائم بعرض آخر.
أضف إلى ذلك (و هو العمدة) أنّ الحسن و القبح ليسا من الصفات التكوينيّة الوجوديّة المتحقّقة في موضوعها بل إنّهما من الامور الاعتباريّة المنتزعة التي لها منشأ للانتزاع في الخارج، فينتزع الحسن في قولك: «العدل حسن» ممّا يوجبه العدل في الخارج من المنافع، و ينتزع القبح في قولك: «الظلم قبيح» ممّا يوجبه من الفساد و المضارّ.
و يشبه هذا الوجه بالشبهة السوفسطائيّة التي نشأت من وقوع الخطأ في الحواس، فأوجبت إنكار السوفسطائي لعالم الوجود مع أنّه أمر وجداني لا يمكن إنكاره، و الصحيح في مثل هذه الامور الفطريّة الوجدانيّة النهوض على جواب لحلّ بعض الشبهات الواردة لا إنكار أصل الموضوع الثابت بالوجدان قطعاً.
إلى هنا ظهر الحال في المقام الأوّل و هو ثبوت الحسن و القبح للأشياء ذاتاً.
المقام الثاني: في إمكان إدراك الحسن و القبح الذاتيين بالجملة
و هو إمكان إدراك الحسن و القبح الذاتيين بالعقل في الجملة فالكلام فيه يظهر ممّا مرّ في المقام الأوّل و لا نطيل البحث بتكراره.