أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٣ - أمّا المقام الأوّل و هو تداخل الأسباب
تهذيب الاصول) [١]، و حاصله: إنّ مقتضى القواعد اللفظية سببية كلّ شرط للجزاء مستقلًا، و مقتضاه تعدّد اشتغال الذمّة بفعل الجزاء، و لا يعقل تعدّد الاشتغال إلّا مع تعدّد المشتغل به فإنّ السبب الأوّل سبب تامّ في اشتغال ذمّة المكلّف بإيجاد الجزاء، و السبب الثاني إن أثّر ثانياً وجب أن يكون أثره اشتغالًا آخر، لأنّ تأثير المتأخّر في المتقدّم غير معقول، و تعدّد الاشتغال مع وحدة الفعل المشتغل به ذاتاً و وجوداً غير معقول، و إن لم يؤثّر يجب أن يستند إمّا إلى فقد المقتضي أو وجود المانع، و الكلّ منتفٍ لأنّ ظاهر القضيّة الشرطيّة سببية الشرط مطلقاً، و المحلّ قابل للتأثير، و المكلّف قادر على الامتثال فأي مانع من التنجّز؟ (انتهى، و سيأتي الجواب عنه).
الوجه الرابع: أنّه ليس حال الأسباب الشرعيّة إلّا كالأسباب العقليّة، فكما أنّه يجب تحقّق الطبيعة في ضمن فردين على تقدير تكرّر علّة وجودها و قابليتها للتكرار، فكذا يتعدّد اشتغال الذمّة بتعدّد أسبابه.
أقول: إنّ هذين الوجهين أيضاً يرجعان عند التأمّل إلى قبول ظهور القضيّة الشرطيّة في الحدوث عند الحدوث فعلًا لا اقتضاءً، فالجواب هو الجواب، و لا حاجة إلى تكراره.
إلى هنا ثبت عدم تمام وجه من الوجوه الأربعة التي استدلّ بها على عدم التداخل.
و هاهنا وجهان آخران:
أحدهما: ما أفاده المحقّق النائيني (رحمه الله) و استحسنه في المحاضرات [٢] بقوله: «و لشيخنا الاستاذ (قدس سره) في المقام كلام و هو في غاية الصحّة و الجودة»، و هو يتمّ ببيان أمرين حاصلهما: أنّ القضيّة الشرطيّة ظاهرة في الانحلال و تعدّد الطلب لأنّها ترجع إلى القضيّة الحقيقة، و لا إشكال في أنّ الحكم في القضيّة الحقيقة ينحلّ بانحلال موضوعه إلى أحكام متعدّدة، هذا أوّلًا.
و ثانياً: أنّ مقتضى تعدّد القضيّة الشرطيّة في نفسها تعدّد الطلب أيضاً لأنّ تعلّق الطلب بشيء لا يقتضي إلّا إيجاد ذلك الشيء خارجاً و نقض عدمه المطلق، و إذا فرض تعلّق طلبين بماهيّة واحدة كان مقتضى كلّ منهما إيجاد تلك الماهيّة فيكون المطلوب في الحقيقة هو إيجادها
[١] تهذيب الاصول: ج ١، ص ٤٤١- ٤٤٢، طبعة جماعة المدرّسين.
[٢] المحاضرات: ج ٥، ص ١١٨.