أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٦٥ - الأقوال في المسألة
الليل و حين خلوة الشارع فإنّ فيها مصلحة حفظ هذه المقرّرات في غير ذلك الزمان.
رابعها: «الأخبار الدالّة على عدم تعلّق بعض التكاليف بهذه الامّة دفعاً للكلفة و المشقّة عنهم كقوله ٦ «لو لا أن أشقّ على امّتي لأمرتهم بالسواك» فإنّ وجود المشقّة في الفعل قد يقدح في حسن الإلزام به و إن لم يقدح في حسن الفعل، إلّا أن يكون في الفعل مزيد حسن بحيث يرجّح الإلزام به مع المشقّة كما في الجهاد، فإنّ الفعل الشاقّ قد يكون حسناً بل واجباً عقليّاً لكن لا يحسن الإلزام به لما فيه من التضييق على المكلّف مع قضاء الحكمة بعدمه».
و يرد عليه: أنّ الإنصاف في مثال السواك أنّ المشقّة موجودة في الفعل بوصف الدوام و هو لا يناسب الشريعة السمحة السهلة فلا توجد فيه مصلحة حينئذٍ، أي عمل السواك الدائمي ليس ذا مصلحة بل المصلحة موجودة فيه في الجملة، و بعبارة اخرى: أنّ الرّواية و إن دلّت بظاهرها على وجود المشقّة في الوجوب و الإلزام لكن بعد التأمّل يظهر لنا أنّ مشقّة الإلزام تنشأ من مشقّة دوام الفعل لأنّه لو كان الواجب السواك في بعض الأحيان مثلًا لم يكن في الفعل مشقّة، فالمشقّة ناشئة من الفعل بوصف الدوام، فلا ينشأ عدم الإلزام من عدم حسن التكليف بل ينشأ في الواقع من عدم حسن الفعل المكلّف به.
خامسها: «أنّ الصبي المراهق إذا كان كامل العقل لطيف القريحة تثبت الأحكام العقليّة في حقّه كغيره من الكاملين و مع ذلك لم يكلّفه الشارع بوجوب و لا تحريم لمصالح داعية إلى ترك تكليفه بهما من التوسعة عليه و حفظ القوانين الشرعيّة عن التشويش و عدم الانضباط».
و الجواب عنه قد مرّ سابقاً من منع عدم العقاب الاخروي في المستقلّات العقليّة في مثل هذا الصبي، و أمّا حديث رفع القلم فالظاهر أنّه ناظر إلى غالب الأحكام الشرعيّة.
سادسها: «أنّ جملة من الأوامر الشرعيّة المتعلّقة بجملة من الأفعال مشروطة بقصد القربة و الامتثال حتّى أنّها لو تجرّدت عنه لتجرّدت عن وصف الوجوب كالصوم و الصّلاة و الحجّ و الزّكاة، فإنّ وقوعها موصوف بالوجوب الشرعي أو رجحانه مشروط بنيّة القربة حتّى أنّها لو وقعت بدونها لم تتّصف به، مع أنّ تلك الأفعال بحسب الواقع لا تخلو إمّا أن تكون واجبات عقليّة مطلقاً، أو بشرط الأمر بها و وقوعها بقصد الامتثال، و على التقديرين يثبت المقصود، أمّا على الحكم الأوّل فلحكم العقل بوجوبها عند عدم قصد الامتثال و حكم الشارع بعدم وجوبه، و أمّا على الثاني فلانتفاء الحسن قبل التكليف و حصوله بعده فلم يتفرّع حسن التكليف على حسن الفعل».