أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٦٩ - المسلك الرابع الإجماع الحدسي
الإمام أو الاستاذ من أقوال المرءوسين أو المأمونين أو التلامذة مبني على وجود صلة بين الطرفين، و هي حاصلة في خصوص عصر الحضور.
لكن الحقّ هو وجود هذه الملازمة في زمن الغيبة أيضاً، لأنّ الصلة مع الواسطة حاصلة، و يكفي في ذلك الفترة التي كان ديدنهم في الفتوى على التعبّد بمتون الرّوايات و على أساس الكتب المتلقّاة من كلمات المعصومين من دون تفريع و استنباط.
الوجه الثاني: ما حكي عن السيّد محمّد المجاهد صاحب مفاتيح الاصول و هو: أنّ تراكم الظنون من الفتاوى تنتهي بالأخرة إلى القطع، فمن فتوى كلّ واحد منهم يحصل ظنّ ما بحكم اللَّه الواقعي، فإذا كثرت فمن تراكم تلك الظنون يحصل القطع بالحكم الواقعي الصادر عن الإمام ٧ كما هو الوجه في حصول القطع من الخبر المتواتر.
أقول: إنّ هذا ممكن في نفسه و لكن لا يندرج تحت ضابط كلّي، إذ يختلف ذلك باختلاف مراتب الظنون و الموارد و الأشخاص، فقد يحصل القطع من تراكم الظنون لشخص و لا يحصل لآخر، إذن فيمكن قبول الصغرى و الكبرى في الجملة لا بالجملة.
الوجه الثالث: ما مرّ بيانه من صاحب الفصول، و نقول توضيحاً لذلك: أنّ اتّفاق العلماء كاشف على وجود دليل معتبر عندهم، لكن هذا إذا لم يكن في مورد الإجماع أصل أو قاعدة أو دليل على وفق ما اتّفقوا عليه، فإنّه مع وجود ذلك يحتمل أن يكون مستند الإجماع أحد هذه الامور، فلا يكشف اتّفاقهم عن وجود دليل آخر وراء ذلك.
كما إذا اتّفقوا على أنّ حدّ الكرّ في باب المياه ثلاثة أشبار و نصف في ثلاثة أشبار، و المفروض في هذا الفرع عدم وجود أصل أو قاعدة عقليّة أو دليل معتبر نقلي يدلّ على ذلك، فإنّ هذا الاتّفاق يكشف عن وجود دليل آخر معتبر عند الكلّ، سيّما إذا لاحظنا ديدن قدماء أصحابنا فإنّه كان على التعبّد بالرجوع إلى الإخبار و الإفتاء على وفق متون الرّوايات حتّى كانوا معرضين عن النقل بالمعنى إلّا بمقدار ثبت جوازه في نقل الرّواية.
و يشهد على هذا ما ورد في مقدّمة كتاب المبسوط [١] لشيخ الطائفة (رحمه الله) الذي كانت لسيّدنا الاستاذ البروجردي (رحمه الله) عناية خاصّة بها و كان يقول: إنّ هذه المقدّمة تمثّل لنا الجوّ الفكري
[١] و هو كتاب كثير الفروع في فقه الشيعة، و يدلّ على تسلّط مؤلّفه على فقه الإماميّة و المذاهب الأربعة، و لا نجد قبله كتاباً يحتوي على هذه الكثرة من التفريعات.