أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٤١ - المسألة الخامسة في وجوب الموافقة الالتزاميّة في الأحكام الفرعيّة و عدمه
عند المكلّف على نجاسة الغسالة و حرمة استعمالها، يمتنع عليه أن يعقد القلب على خلافها أو يلتزم جدّاً على طهارته، إلّا أن يرجع إلى تخطئة الشارع (و العياذ باللَّه) و هو خارج عن المقام.
و بذلك يظهر أنّ وجوب الموافقة الالتزاميّة و حرمة التشريع لا يرجع إلى محصّل إن كان المراد من التشريع هو البناء و الالتزام القلبي على كون حكم من الشارع مع العلم بأنّه لم يكن من الشرع، أو لم يعلم كونه منه، و مثله وجوب الموافقة و هو عقد القلب اختياراً على الاصول و العقائد و الفروع الثابتة بأدلّتها القطعيّة الواقعيّة.
و الحاصل أنّ التشريع بهذا المعنى أمر غير معقول بل لا يتحقّق من القاطع حتّى يتعلّق به النهي، كما أنّ الاعتقاد بكلّ ما ثبت بالأدلّة أمر قهري تتبع مبادئها و يوجد غبّ عللها بلا إرادة و اختيار و لا يمكن التخلّف عنها و لا للحاصل له مخالفتها، فلا يصحّ تعلّق التكليف لأمر يستحيل وجوده، أو يجب وجوده بلا إرادة و اختيار» [١].
أقول: لا يخفى أنّ لازم ما أفاده في المقام عدم وجود موضوع للبحث هنا فينتفي بانتفاء موضوعه لأنّه أنكر إمكان تعلّق الوجوب بالالتزام القلبي ثبوتاً فلا تصل النوبة إلى مقام الإثبات و البحث في أنّه هل يكون الالتزام القلبي واجباً شرعاً أو لا؟
لكن الإنصاف هو إمكان التفكيك بين العلم و الالتزام القلبي ثبوتاً و أنّه يوجد وراء العلم شيئاً آخر اختياريّاً يسمّى بالتسليم و الالتزام القلبي، و إن شئت فعبّر عنه بالإيمان مقابل الإسلام، و قد بيّنه المحقّق الأصفهاني (رحمه الله) في كلامه [٢].
و توضيحه: أنّه إذا تيقّن الإنسان بشيء يجد بوجدانه في قبال يقينه و علمه أمرين مختلفين:
أحدهما: التسليم الجوارحي، و الثاني: التسليم الجوانحي فربّما يحصل له التسليم الجوارحي و لا يحصل له التسليم القلبي و الانقياد الجناحي و بالعكس فيعلم كثيراً ما مثلًا بأهلية شخص للرئاسة و المرجعية لكنّه لا ينقاد له قلباً و لا يقرّبه باطناً لخباثة نفسه أو لعدم كونه من قومه و قبيلته أو لجهة اخرى، و إن كان في مقام العمل يتحرّك بحركته خوفاً من سوطه و سطوته، و نحن نعتقد أنّه من هذا القبيل الكفر الجحودي فكثير من الكفّار الذين نطق القرآن بكفرهم كانوا عالمين بحقّانيّة القرآن و نبوّة نبيّنا ٦، و مع ذلك لم يكونوا منقادين، و لو كان ملاك الإيمان
[١] تهذيب الاصول: ج ٢، ص ٤٥- ٤٦، طبع جماعة المدرّسين.
[٢] راجع نهاية الدراية: ج ٢، ص ٢٦، الطبع القديم.