أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٧٨ - ثانيهما «أنّه خبر جماعة يؤمن تواطؤهم على الكذب عادةً»
حجّية مثل هذا التواتر؟ و هل يجري فيه القياس المتقدّم في الإجماع المنقول المتشكّل من صغرى و كبرى؟
لا بدّ لتحقيق المسألة من الرجوع إلى ماهيّة الخبر المتواتر و أنّه ما هو؟ و قد ذكر له تعريفان:
أحدهما: «أنّه خبر جماعة يفيد بنفسه العلم»
و استشكل عليه بأنّه لا يوجد خبر يفيد بنفسه العلم بل يدخل في حصول العلم امور أربعة: نوع الخبر (المخبر به)، حال المخبرين، حالة المخبر له و كيفية الإخبار (مثل كون الخبر مكتوباً في كتاب مطبوع أو مخطوط معتبر و عدمه) و إلّا لا بدّ من اعتبار عدد خاصّ في التواتر مع أنّه ممّا لم يقل به أحد.
و لذلك ذكر بعض من ذهب إلى هذا التعريف هذا القيد فيه: «إلّا القرائن الملازمة للخبر» و مراده منها هذه الامور الأربعة، فيكون المراد من القرائن الخارجيّة حينئذٍ شيئاً غيرها، كاعتضاد مضمون الخبر بخبر ظنّي آخر أو دليل عقلي كذلك.
ثانيهما: «أنّه خبر جماعة يؤمن تواطؤهم على الكذب عادةً»
و قد اورد على هذا التعريف أيضاً أوّلًا: بأنّه لا ينفي احتمال الخطأ فلا بدّ تقييد ذيله بهذا القيد: «و يحصل من قولهم العلم».
و ثانياً: بأنّه ما المراد من التواطؤ؟ فإن كان المقصود منه التوافق على أمر فلا وجه لاعتباره لإمكان كذب كلّ واحد من المخبرين على حدة و مستقلًا بدواع شتّى أو كانوا بداعٍ واحدٍ على نشر اكذوبة خاصّة من غير التواطؤ.
فالصحيح في التعريف أن يقال: «إنّه خبر جماعة كثيرة يؤمن اجتماعهم على الكذب و الخطأ عادةً» و التقييد بقيد «كثيرة» لازم لأنّه لو حصل القطع مثلًا من اجتماع ثلاثة أفراد على خبر لا يقال أنّه متواتر في مصطلحهم بل إنّه خبر واحد محفوف بقرائن قطعية أو مستفيض.
و إذا كان هذا هو معنى الخبر المتواتر فإنّه يختلف بحسب الأشخاص، فيمكن أن يكون خبر متواتراً عند شخص و غير متواتر عند شخص آخر.
وعليه بما أنّ التواتر المنقول من حيث المسبّب لا يكون مشمولًا لأدلّة حجّية خبر الواحد