أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٧٢ - مسألة البداء
فأخبرها أنّ روح اللَّه و كلمته بالباب مع عدّة قال: فتخدّرت فدخل عليها فقال لها: ما صنعت ليلتك هذه؟ قالت لم أصنع شيئاً إلّا و قد كنت أصنعه فيما مضى أنّه كان يعترينا سائل في كلّ ليلة جمعة فننيله ما يقوته إلى مثلها و أنّه جاءني في ليلتي هذه و أنا مشغولة بأمري و أهلي في مشاغل فهتف فلم يجبه أحد ثمّ هتف فلم يجب حتّى هتف مراراً فلمّا سمعت مقالته قمت متنكّرة حتّى نلته كما كنّا ننيله فقال لها: تنحّي عن مجلسك فإذا تحت ثيابها افعى مثل جذعة عاضّ على ذنبه فقال ٧: بما صنعت صرف عنك هذا» [١].
تنبيهان
الأوّل: إنّ فلسفة البداء و حكمته عدم القعود عن السعي و الجهاد و أن لا نيأس من رحمة اللَّه و إراءته للطريق و هدايته السبل، و من جانب آخر أن لا نؤمّن أنفسنا من سخطه و عذابه، و لا نقول: قد جفّ القلم و أنّه لا يحدث اللَّه غير ما قدّره في التقدير الأوّل بل نقول أنّه يمحو ما يشاء و يثبت، فلا يخفى أنّ هذه العقيدة و هذه الحالة تورثنا و تكّمل لنا حالة الخوف و الرجاء بحيث لو صدر عنّا ذنب رجونا العفو و المغفرة، كما أنّه لو صدرت عنّا خيرات بالغة و حسنات كثيرة خفنا من سوء العاقبة، و بالجملة أنّ حكمة البداء و فلسفته هي إيقاع العبد بين حالة الخوف و الرجاء، و نتيجته دوام السعي و الحركة و العمل مع احتمال الخطأ و المخالفة و الوقوع في المهلكة.
الثاني: أنّ إنكار البداء يستلزم إنكار عدّة من المسائل المسلّمة و الاعتقادات الضروريّة في الإسلام أو ما أشبه ذلك كمسألة التوبة، و مسألة الحبط في الأعمال و أنّ الحسنات يذهبن السيّئات، و مسألة الشفاعة، و تأثير الدعاء، و تأثير صلة الرحم و قطعها في ازدياد العمر و نقصانه، و دفع البلاء بالصدقة (و قد ورد في الحديث أنّ الصدقة ترفع البلاء المبرم و هو البلاء الذي كتب بالقلم في امّ الكتاب).
إلى هنا تمّ الكلام عن المقصد الرابع من مباحث الاصول.
[١] بحار الأنوار: ج ٤، باب البداء و النسخ، ح ١.