أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٧٠ - مسألة البداء
أَجَلٍ كِتَابٌ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ» [١]، و هو يشبه النسخ بناءً على مذهب المشهور من أنّ حقيقته هو الدفع لا الرفع، أي أنّ النسخ بمعنى انتهاء أمد الحكم و أنّ اللَّه يظهر فيه ما كان مجهولًا للناس و هو يتصوّر بعد حضور وقت العمل بالحكم المنسوخ إلّا في الأوامر الامتحانيّة فيتصوّر فيها قبل حضور وقت العمل أيضاً كما مرّ.
فالبداء أيضاً كذلك، فيتصوّر في الأوامر الامتحانية قبل العمل كما إذا فرضنا مثلًا أنّ أمر إبراهيم بذبح ابنه صدر على نهج القضيّة الخيريّة، فكأنّه حينئذٍ صدر بعنوان الإخبار عن أمر تكويني سوف يتحقّق في المستقبل ثمّ بدا له بقوله تعالى: «قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا»، و في غير الامتحان مثل ما وقع في قضية يونس ٧ من وعده تعالى بالعذاب على قومه ثمّ كشفه عنهم بعد أن آمنوا، فهو في كلا القسمين ليس بمعنى ظهور ما خفى عليه بل بمعنى إبداء شرط أو مانع أخفاه في بدو الأمر، فهو تعالى يخبر عن وقوع أمر معلّق على شرط أو عدم مانع من دون التصريح بالمعلّق عليه حين الإخبار، فلا يحصل المعلّق لعدم حصول المعلّق عليه و ذلك لحكمة تقتضي ذلك، ثمّ يبدي ما لم يذكره أوّلًا، فالبداء بتعبير عقلي يرجع إلى العلل المركّبة التي تتصوّر فيها علّة تامّة و علّة ناقصة، فيرجع إمّا إلى عدم حصول المقتضي أو وجود المانع، و في لسان الشرع يرجع إلى مسألة المحو أو الإثبات، فقد ثبت أنّ للَّه تعالى كتابين: أحدهما: امّ الكتاب الذي ثبت فيه جميع الامور من دون محو و إثبات، و الآخر: كتاب المحو و الإثبات.
و بالجملة، البداء ليس بمعنى ظهور ما خفى عليه تعالى كما يدلّ عليه قوله: «وَ قَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ» [٢] حيث جاء في التفسير أنّ اليهود قالوا قد فزع اللَّه من الأمر لا يحدث اللَّه غير ما قدّره في التقدير الأوّل (و أنّه قد جفّ القلم بما هو كائن) فردّ اللَّه عليهم بقوله: بل يداه مبسوطتان، و من الآيات الدالّة على أصل وجود البداء و صحّته قوله تعالى: «وَ مَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلّا فِي كِتَابٍ» [٣].
و هذا المعنى تدلّ عليه أيضاً روايات الأئمّة المعصومين : و هي كما قلنا كثيرة كما مرّت
[١] سورة الرعد: الآية ٣٨ و ٣٩.
[٢] سورة المائدة: الآية ٦٤.
[٣] سورة فاطر: الآية ١١.