أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٣٥ - البحث الثالث في أحكام القطع الموضوعي و الطريقي و أنّه هل تقوم الطرق و الأمارات مقامهما أو لا؟
أقول: و يرد عليه: إنّ جوابه هذا مبنيّ على ما ذهب إليه في البحث عن حقيقة الاستعمال من أنّ استعمال اللفظ في المعنى فناؤه فيه حقيقة، و قد مرّ الجواب عنه، فقد قلنا أنّ حقيقة الاستعمال هو جعل اللفظ علامة للمعنى و البناء على إرادته عنده، و لذلك لا مانع من استعمال لفظ واحد في أكثر من معنى و من احضار معاني متعدّدة في الذهن ثمّ استعمال لفظ واحد في جميعها.
هذا و لكن نحن أيضاً نمنع عن إطلاق أدلّة حجّية الأمارات لكن لا من باب اجتماع اللحاظين المتضادّين بل من باب انصراف أدلّة حجّية الأمارات عن القطع الموضوعي فإنّها ناظرة بظهورها إلى القطع الطريقي المحض فقط.
و للمحقّق النائيني (رحمه الله) في المقام بيان آخر لجواز قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي على نحو الكاشفيّة، و النكتة الأساسيّة الرئيسة في كلامه (بعد أن جعل عمدة ما يتصوّر أن يكون مانعاً عن القيام ما ذكره المحقّق الخراساني (رحمه الله) من الجمع بين اللحاظين) تفسير ذكره لحجّية الطرق و الأمارات، و هو أنّ دليل الحجّية إنّما ناظر إلى إعطاء صفة الطريقيّة و الكاشفيّة للأمارة و جعل ما ليس بمحرز حقيقة محرزاً تشريعاً و إليك نصّ كلامه: «أنّه ليس معنى حجّية الطريق مثلًا تنزيل مؤدّاه منزلة الواقع و لا تنزيله منزلة القطع حتّى يكون المؤدّى واقعاً تعبّداً أو يكون الأمارة علماً تعبّداً، بداهة أنّ دليل الحجّية لا نظر له إلى هذين التنزيلين أصلًا و إنّما نظره إلى إعطاء صفة الطريقيّة و الكاشفيّة للأمارة و جعل ما ليس بمحرز حقيقة محرزاً تشريعاً، نعم لا بدّ و أن يكون المورد قابلًا لذلك بأن يكون له كاشفيّة عن الواقع في الجملة و لو نوعاً إذ ليس كلّ موضوع قابلًا لإعطاء صفة الطريقيّة و المحرزيّة له فما يجري على الألسنة بأنّ ما قامت البيّنة على خمريته مثلًا خمر تعبّداً أو أنّ نفس البيّنة علم تعبّداً فممّا لا محصّل له و ليس له معنى معقول إذ الخمريّة أو العلم من الامور التكوينيّة الواقعيّة التي تنالها يد الجعل تشريعاً، مضافاً إلى أنّ لم يرد في آية و لا رواية أنّ ما قامت البيّنة على خمريته خمر و إنّ الأمارة علم حتّى يصحّ دعوى كون المجعول هو الخمريّة أو كون البيّنة علماً و لو بنحو المسامحة من باب الضيق في التعبير، و بالجملة ما يكون قابلًا لتعلّق الجعل التشريعي به كيفية المجعولات التشريعية هو نفس صفة الكاشفيّة و الطريقيّة لما ليس كذلك بحسب ذاته من دون تنزيل للمؤدّى منزلة الواقع و لا لتنزيل نفسه منزلة العلم. و بعبارة اخرى له في موضع آخر: أنّ مفاد حجّية