أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٦٠ - الأقوال في المسألة
و المختار هو القول الأوّل، لكن المراد من حكم الشارع هو الأعمّ من الإلزامي و غيره، و الدليل على ذلك حكمة الباري تعالى، فإذا كان الفعل واجداً لمصلحة تامّة أو مفسدة كذلك فكيف يمكن أن لا يكون للشارع فيه حكم مع أنّه قد ثبت عند الإماميّة عدم خلوّ شيء من الأشياء من حكم من الأحكام، فبعد حكم العقل بالحسن أو القبح يثبت أوّلًا انقداح إرادة أو كراهة في بعض المبادئ العالية ثمّ بانضمام الكبرى الثابتة في محلّه من عدم خلوّ الأشياء عن الحكم يثبت حكم الشارع، فالطريق الصحيح عندنا هو حكمة الباري، و مقتضاها ثبوت الملازمة مطلقاً، و كيف يعقل ترك التكليف من المولى الحكيم إذا كان في الفعل مصلحة تامّة قطعية أو مفسدة كذلك؟ و من المعلوم أنّ ترك الأمر و النهي في هذه المقامات منافٍ للحكمة، فإذا أدرك العقل المصلحة التامّة في أمر (أي مصلحة لا معارض لها) و أدرك علّية ذلك للحكم بتبعية الأحكام الشرعيّة للمصالح و المفاسد يكشف أيضاً حكم الشارع به، كحكمه بقبح اختلال النظام الذي يكون علّة لحكم الشارع بحرمته بلا ريب.
و إن شئت فاختبر نفسك أنّه قبل نزول قوله تعالى: «وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا» فهل تحتمل أن لا يكون قتل المؤمن متعمّداً مبغوضاً عند اللَّه و حراماً في حكمه؟ و هل تحتمل أن تتنزّل الآية هكذا: «وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ الجنّة خَالِداً فِيهَا» كلّا، لا يقول به إلّا المكابر، و كذا في أشباهه من الامور التي يدرك العقل حسنها و قبحها و مصالحها و مفاسدها بنحو العلّة التامّة.
و استدلّ المنكرون لعدم الملازمة مطلقاً بوجوه:
الوجه الأوّل: أنّها مخالفة لقوله تعالى: «وَ مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا» [١] فإنّها تدلّ على أنّه لا عقاب من دون إرسال المرسل و قبل صدور الأدلّة السمعيّة.
و اجيب عنه بوجوه:
الأوّل: أنّ الظاهر من نفي العذاب في هذه الآية إنّما هو نفي الفعليّة لا نفي الاستحقاق، و محلّ النزاع في المقام هو الملازمة بين حكم العقل و بين استحقاق العقاب.
و يرد عليه: إنّ هذا لا يفيد الفقيه و الاصولي شيئاً، فإنّ نتيجته على كلّ حال نفي العقاب،
[١] سورة الإسراء: الآية ١٥.