أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢١٣ - المسألة الاولى في حجّية القطع
الجمعة مثلًا لا تجتمع مع الإرادة التحريمية بالنسبة إليها [١].
أقول: قد انحرف البحث هنا أيضاً عن مجراه الواقعي الأصلي لأنّ إثبات الحجّية للقطع من الطرق المذكورة غير صحيح، و النكتة الأصلية في المقام أنّ القطع حقيقته الوصول إلى الواقع (و لا أقلّ أنّه كذلك في نظر القاطع) و الأحكام المترتّبة عليه ليست في الواقع من أحكام نفس القطع بل إنّها من أحكام الواقع و الخارج المتعلّق للقطع.
و بعبارة اخرى: أنّ القاطع لا يرى قطعه، و أنّ القطع ليس طريقاً و مرآة للوصول إلى الواقع بل القطع بنفسه مشاهدة للواقع و وصول إليه فهو حينئذٍ نظير النظر إلى الشمس، حيث لا يقال حين النظر إليها: إنّي قطعت بالشمس، بل القطع فيه هو نفس انعكاس الشمس في الذهن، فكذلك في ما نحن فيه، فليست الآثار المترتّبة على القطع آثاراً لنفس تلك الحالة النفسانية بل هي آثار للواقع و تترتّب على الواقع، و لذلك لا يقع القطع وسطاً لإثبات الحكم و لا يقال: «هذا مقطوع الخمريّة و كلّ مقطوع الخمريّة حرام فهذا حرام» بل يقال: «هذا خمر كلّ خمر حرام» نظير قولك: «هذه نار و كلّ نار حارّة» و أيضاً لا يقال في مقام الاحتجاج على العبد فيما إذا سمح بدخول الدار لعدوّ مولاه مثلًا مع قطعه بكونه عدوّاً له: «إنّك قطعت بأنّه عدوّ و لم تعمل بقطعك» بل يقال: «لِمَ سمحت بدخول العدوّ و لم تمنعه».
فظهر إلى هنا إنّه لا حاجة إلى إثبات حجّية القطع إلى التمسّك بالوجدان أو التسلسل أو غيرهما بل القاطع يعمل بقطعه و يرتّب آثاره من باب وصوله إلى الواقع لا من باب حجّية القطع.
نعم هذا كلّه بالنسبة إلى شخص القاطع حين قطعه، و أمّا بالنسبة لما بعد زوال القطع و كذلك بالنسبة إلى غير القاطع (أي الذهن فوق الذهن) فلما ذكر من النقض و الإبرام في مقام الاستدلال لحجّية القطع شأن.
و حينئذٍ نقول: المقبول عندنا من بين الأدلّة التي اقيمت لحجّية القطع وجهان:
أحدهما: التسلسل، و البيان الأصحّ و الأدقّ فيه أن يقال: إنّ جميع الأدلّة الشرعيّة ترجع دليليتها و حجّيتها إلى القطع، فلو كان مآل حجّية القطع أيضاً شيئاً غير ذاته يلزم الدور أو التسلسل كما لا يخفى.
[١] راجع تهذيب الأصول: ج ٢، ص ٨٥، طبع مهر.