أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٨٧ - الفصل الثاني حجّية العام المخصّص في الباقي
البسيط العقلاني باللفظ بحيث كان اللفظ و الإرادة مغفولين عنهما حين الاستعمال، فهذه بعينها هي الإرادة الجدّية التي بها يتقوّم استعمال اللفظ في معنى ما، و إن اريد بها الإرادة الهزليّة المقابلة للإرادة الجدّية و الداعية إلى إرادة إيجاد المعنى باللفظ فهي و إن كانت لا تنافي استعمال اللفظ في معناه الموضوع له لوضوح أنّ الاستعمال الحقيقي لا يدور مدار كون الداعي إلى الاستعمال هو خصوص الإرادة الجدّية إلّا أنّه لا يعقل الالتزام بكون الداعي إلى استعمال العمومات الواردة في الكتاب و السنّة في معانيها هي الإرادة الهزليّة» [١].
ثمّ إنّه تصدّى لحلّ المسألة بطريق آخر يرجع بالمآل إلى ما أفاده المحقّق الخراساني (رحمه الله) من تعدّد الدالّ و المدلول، فقال: «إنّ أداة العموم لا تستعمل إلّا في ما وضعت له كما أنّ مدخولها لم يستعمل إلّا فيما وضع له، أمّا عدم استعمال المدخول إلّا في نفس ما وضع له فلأنّه لم يوضع إلّا لنفس الطبيعة المهملة الجامعة بين المطلقة و المقيّدة، و من الواضح أنّه لم يستعمل إلّا فيها و إفادة التقييد بدالّ آخر لا تنافي استعمال اللفظ في نفس الطبيعة المهملة كما هو ظاهر، و أمّا عدم استعمال الأداة إلّا فيما وضعت له فلأنّها لا يستعمل أبداً إلّا في تعميم الحكم لجميع أفراد ما اريد من مدخولها، غاية الأمر أنّ المراد من مدخولها ربّما يكون أمراً وسيعاً و اخرى يكون أمراً ضيّقاً، و هذا لا يوجب فرقاً في ناحية الأداة أصلًا» [٢].
أقول: يرد عليه:
أوّلًا: إنّ كلا المعنيين اللذين ذكرهما في تفسير المراد من الإرادة الاستعماليّة غير مقصود في المقام، بل المراد منها هنا أنّ اللفظ تارةً يستعمل في معناه الموضوع له و يريد به المتكلّم تفهيم المخاطب لتمام معناه من دون أن تكون إرادته ناشئة عن كون الحكم المجعول على عنوان ذلك اللفظ ثابتاً له واقعاً بل هي ناشئة من غرض آخر، و اخرى يكون الغرض تفهيمه، و هذا مقدّمة له.
ثانياً: ما مرّ في باب دلالات الألفاظ من الإشكال المبنائي، و هو أنّ دلالة اللفظ ترجع إلى الحكاية و العلّامة لا إلى الإيجاد و الإنشاء إلّا في بعض الألفاظ مثل أداة التمنّي و الترجّي كما مرّ بيانه هناك. (و في كلامه إشكال آخر ستأتي الإشارة إليه).
[١] أجود التقريرات: ج ١، ص ٤٤٧.
[٢] أجود التقريرات: ج ١، ص ٤٤٩- ٤٥٠.