أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٦٥ - أمّا المقام الثاني في كفاية العلم الإجمالي في مقام الامتثال و عدمه
لأصالة البراءة لا الاشتغال، و الاشتغال مصبّه غير ذلك، و هو ما إذا كان أصل المأمور به معلوماً و شكّ في وجوده خارجاً.
قال المحقّق النائيني (رحمه الله) هنا ما حاصله: أنّ أدلّة أصل البراءة كحديث الرفع جارٍ فيما كان وضعه و رفعه بيد الشارع و يكون قاصراً عن الشمول لما يتحمّل اعتباره في الطاعة عقلًا كما في المقام، حيث إن الشكّ فيه راجع إلى اعتبار أمر في الطاعة العقليّة، ضرورة أنّ حسن الاحتياط من الأحكام التي يستقلّ العقل بها، فمع الشكّ في تحقّقه لا يمكن التمسّك بحديث الرفع [١].
أقول: إن كان حسن الاحتياط في المقام من المستقلّات العقليّة فلا معنى للشكّ فيه، لأنّ لا عقل لا يشكّ في حكم نفسه، فإمّا أن يحكم بكفاية الامتثال الإجمالي أو يحكم بعدمها، و لا تردّد له فيه، و حينئذٍ فلو كان هناك شكّ كان شكّاً في حكم الشرع، أي شكّاً في الجزئيّة أو الشرطيّة الشرعيّة فيرجع إلى الأقلّ و الأكثر الارتباطيين الذي يكون مجرى لأصل البراءة.
و أمّا الدليل الثالث و هو لزوم اللعب بأمر المولى فاجيب عنه بجوابين:
أحدهما: أنّ التكرار لا يعدّ لعباً بأمر المولى إذا نشأ من دواعٍ عقلائيّة.
ثانيهما: سلّمنا ذلك، و لكنّه لعب في كيفية الإطاعة لا في أصلها، و اللعب في كيفية العمل لا يوجب بطلان أصله.
لكن الإنصاف أنّ هذا الجواب غير تامّ، لأنّ كيفية العمل ليست منفكّة عن أصل العمل بل هي متّحدة معه عرفاً.
و للمحقّق الأصفهاني (رحمه الله) هنا كلام و إليك نصّه: «إنّ المانع إمّا عدم صدور العمل عن داعٍ إلهي بل من غيره، أو التشريك في الداعي بحيث لا يكون الأمر مستقلًا في الدعوة، أو تعنون الفعل بنفسه بعنوان اللعب، أو تعنون الفعل المأتي بداعي الأمر بعنوان اللعب، و الكلّ مفقود، أمّا الأوّل فلأنّ المفروض أنّ المحرّك لفعل كلّ من المحتملات هو الأمر المحتمل تعلّقه به، و أمّا الثاني فلأنّ المفروض عدم محرّك إلى ذات كلّ واحد من المحتملات سوى الأمر المحتمل فلا تشريك في الداعي، و إلّا فلو فرض التشريك لم يكن فرق بين الداعي العقلائي و غيره في المفسدية و عدم صدور العمل عن داعٍ إلهي مستقلّ في الدعوة، و أمّا الثالث فلأنّ المفروض أنّ
[١] راجع أجود التقريرات: ج ٢، ص ٤٥.