أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٦٩ - الأقوال في المسألة
كيف يمكن أن يكون التأكيد تحصيلًا للحاصل، و قد قرّر في علم الكلام أنّ من غايات بعث الأنبياء تأكيد الأحكام العقليّة بواسطة التشريع، و لم يقل أحد هناك بأنّه تحصيل للحاصل، و قد اشتهر بينهم أنّ الواجبات الشرعيّة ألطاف في الواجبات العقليّة.
و سادساً: ما اشتهر بينهم من أنّ الحسن و القبح من المشهورات المبنية على التدريب و التربية (و الظاهر أنّهم أخذوه ممّا ذكره ابن سينا في منطق الإشارات) [١] الظاهر أنّه من المشهورات التي لا أصل لها و كذا ما ورد في كلمات بعضهم من أنّ الحسن و القبح من الامور الإنشائيّة المجعولة من جانب العقلاء، بل الحقّ أنّه في كثير من مصاديقها من الامور الواقعيّة البديهيّة أو ما يقرب من البداهة و لا دخل للتربية و لا للإنشاء فيهما.
توضيح ذلك: أنّ العدالة و الظلم (المذكورين في المثال) لهما آثار في المجتمع الإنساني بل في الافراد من الصلاح و الفساد لا يقدر أحد على إنكارها، لا أقول: إنّه من قبيل «الواحد نصف الاثنين» بل أقول: إنّها تدرك بأدنى تأمّل و تفكّر، فمن ذا الذي لا يدرك المفاسد الحاصلة من الظلم، و المصالح و العمران و التكامل الحاصلة من العدل، و لو كان هناك اختلاف فإنّما هو في موضوعاته و مصاديقه لا في أصله.
و إن شئت قلت: هناك امور ثلاثة: المصالح و المفاسد الحاصلة من العدل و الظلم و نفس هذين الوصفين (العدل و الظلم) ثمّ مدح العقلاء و ذمّهم على فعلهما.
فالمصالح و المفاسد امور واقعيّة تكوينيّة (مثل إراقة الدماء و مصادرة الأموال و الاضطرابات الحاصلة منها و خراب البلاد و العدوان على العباد أو الهدوء و الراحة و عمارة البلاد و رفاه العباد، كلّ هذه و أشباهها امور تكوينيّة) و على أثر ذلك يستحسن عقل الإنسان العدالة و يستقبح الظلم من غير حاجة إلى من يعلّمه و يدرّبه أو يقوم بالجعل و الإنشاء.
ثمّ بعد ذلك يمدح العادل و يذمّ الظالم، و الإنشاء إنّما هو في هذه المرحلة فقط (أعني مرحلة المدح و الذمّ) و أمّا الاستحسان و التقبيح العقليان فهما ينشآن عن المبادئ الحاصلة من المصالح و المفاسد الخارجيّة و كأنّ الخلط بين هذه الامور الثلاثة كان سبباً للمباني الفاسدة التي أشرنا إليها آنفاً.
[١] بناءً على ما نقله عنه في اصول الفقه: المجلّد الأوّل، ص ٢٢٥، من الطبع القديم (دار النعمان بالنجف).