أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٨ - ٢- الكلام في مفهوم الوصف
إلى خصوص ذات الموضوع المذكور في القضيّة، ففي المثال المزبور يدلّ على أنّه لا زكاة في الغنم المعلومة، أمّا بالنسبة إلى غير هذا الموضوع فلا يدلّ على انتفاء الحكم عنه، فلا يدلّ على انتفاء الزّكاة في البقر المعلوفة مثلًا كما نسب إلى بعض الشافعيّة، إلّا أن يقال: إنّ المستفاد من الحديث إنّ السوم علّة منحصرة للزكاة بالنسبة إلى جميع الحيوانات، و ذكر الغنم إنّما يكون بعنوان المثال، لكن أنّى لنا بإثبات ذلك.
ثمّ إنّه تنبغي الإشارة هنا إلى نكتة فقهيّة، و هي أنّ الملاك في زكاة الغنم ليس هو خصوص كونها سائمة كما هو المعروف، بل المستفاد من الأخبار أنّ المعيار عدم كونها من العوامل، و أمّا ذكر وصف السائمة في بعض الرّوايات فإنّه للملازمة الخارجيّة العرفيّة بينها و بين عدم كونها من العوامل في عرف ذلك الزمان، فكونها سائمة من اللوازم القهريّة لعدم كونها عوامل، لعدم الداعي حينئذٍ عادةً على إبقائها في بيوتها بل إنّها تسرح في مرجها و تسام إذا ساعدت الظروف، و قد ذكرنا في تعليقتنا على العروة مؤيّدات عديدة لذلك فراجع [١].
الأمر الرابع: إنّ المراد من الوصف في ما نحن فيه أعمّ من الوصف الاصولي و الوصف النحوي، فهو عبارة عن كلّ ما صار قيداً للحكم في الكلام، فيعمّ الحال إذا صار قيداً للحكم كقولك: «من جاءك ذاكراً فأكرمه» كما يعمّ ما يكون ظرفاً للحكم كقولك: «أكرم زيداً يوم الجمعة» فتأمّل.
إلى هنا تمّ الكلام في مفهوم الوصف، و قد ظهر منه عدم إمكان المساعدة على دلالة الوصف على المفهوم في جميع الموارد، و إن كان لا يمكن إنكاره أيضاً مطلقاً، فإنّ القيود و الأوصاف كثيراً ما ترد في مقام الاحتراز، و القرائن الحاليّة و المقاميّة تدلّ عليه.
بل قد يقال: إنّ الأصل في كلّ قيد هو كونه احترازيّاً، و إمّا الإتيان بالقيود لمقاصد اخرى مثل كونه محلًا للابتلاء أو قيداً غالبياً أو شبه ذلك فإنّها خلاف الأصل، و حينئذٍ يستفاد المفهوم من هذه القيود حتّى في غير الأوصاف من القيود الزمانيّة و المكانيّة و غيرهما (بناءً على عدم شمول الوصف بمعناه الأعمّ لهذه القيود) من دون فرق بين أن يكون الوصف معتمداً على الموصوف أو لا يكون، فإنّه أيضاً يرجع إلى التقييد و يكون الأصل فيه الاحتراز، فلا فرق بين
[١] راجع تعليقات الاستاذ دام ظلّه على العروة الوثقى: ج ١، ص ٣٣٠.