أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٤٥ - الفصل التاسع الكلام في الاستثناء المتعقّب للجمل المتعدّدة
أقول: الظاهر أنّ الحقّ مع المحقّق الخراساني (رحمه الله)، لأنّ عدم صحّة اكتفاء المولى في بيان مقصوده بالاستثناء المجمل لكونه مخلًا ببيانه يختصّ بما إذا لم يكن نفس الإجمال مقصوداً، و إلّا فلا إشكال في الصحّة، و هذا نظير الاستثناء بكلمة «بعض»، فإذا قال: «أكرم العلماء إلّا بعضهم» مع عدم كون الإجمال مقصوداً فقد أخلّ بمقصوده و أمّا إذا كان المقصود هو نفس بيان الحكم مجملًا فلا إشكال حينئذٍ في صحّة الاكتفاء بكلمة «بعض»، و لا يخفى أنّ للشارع المقدّس أحكاماً يكون المقام فيها مقام الإجمال و الإبهام، و ذلك لمصالح تقتضيه، منها عدم انسداد أبواب بيوت أهل البيت : كما صرّح به المحقّق القمي (رحمه الله) في كتابه جامع الشتات في جواب من سأل عن وجه ورود المتشابه في القرآن الكريم.
إذا عرفت هذا فلنشرع في أصل البحث و الأقوال الواردة فيه ...
فنقول: أمّا التفصيل الذي وعدنا نقله فهو ما ذهب إليه المحقّق النائيني (رحمه الله) و إليك نصّ كلامه: «و التحقيق في ذلك هو التفصيل بأن يقال إنّ من الواضح أنّه لا بدّ من رجوع الاستثناء إلى عقد الوضع لا محالة، وعليه فإمّا أن يكون عقد الوضع مكرّراً في الجملة الأخيرة كما في مثل الآية المباركة، أو لا يكون كذلك، بل يختصّ ذكر عقد الوضع بصدر الكلام كما إذا قيل أكرم العلماء و أضفهم و أطعمهم إلّا فسّاقهم، أمّا القسم الثاني أعني به ما لا يكون عقد الوضع مذكوراً فيه إلّا في صدر الكلام فلا مناصّ فيه عن الالتزام برجوعه إلى الجميع، لأنّ المفروض أنّ عقد الوضع فيه لم يذكر إلّا في صدر الكلام، و قد عرفت أنّه لا بدّ من رجوع الاستثناء إلى عقد الوضع فلا بدّ من رجوعه إلى الجميع، و أمّا كون العطف في قوّة التكرار فهو و إن كان صحيحاً إلّا أنّه لا يوجب وجود عقد وضع آخر في الكلام ليكون صالحاً لرجوع الاستثناء إليه، و أمّا القسم الأوّل أعني به ما يكون عقد الوضع فيه مكرّراً فالظاهر فيه هو رجوع الاستثناء إلى خصوص الجملة الأخيرة لأنّ تكرار عقد الوضع في الجملة الأخيرة مستقلًا يوجب أخذ الاستثناء محلّه من الكلام فيحتاج تخصيص الجمل السابقة على الجملة الأخيرة إلى دليل آخر مفقود على الفرض» [١].
و قال في حاشية الأجود: «الصحيح في تقريب التفصيل في المقام أن يقال: إنّ تعدّد الجمل
[١] أجود التقريرات: ج ١، ص ٤٩٧.