أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٢٨ - التنبيه الثالث الكلام في تفصيل صاحب الفصول
أصرح دلالة و أكثر عدداً، مضافاً إلى ما مرّ من المناقشة في كلّ واحد من روايات الطائفة الاولى دلالة أو سنداً، و يتلخّص من جميع ما ذكرنا أنّه لا دليل على حرمة التجرّي من العقل و النقل.
التنبيه الثالث: الكلام في تفصيل صاحب الفصول
في ما ذهب إليه صاحب الفصول من التفصيل، و إليك نصّ كلامه: «أنّ قبح التجرّي ليس عندنا ذاتياً بل يختلف بالوجوه و الاعتبار فمن اشتبه عليه مؤمن ورع عالم بكافر واجب القتل، فحسب إنّه ذلك الكافر فتجرّى و لم يقدم على قتله فإنّه لا يستحقّ الذمّ على هذا التجرّي عقلًا عند من انكشف له الواقع، و إن كان معذوراً لو فعل، و أظهر من ذلك ما لو جزم بوجوب قتل نبي أو وصي نبي فتجرّى و لم يفعل، أ لا ترى أنّ المولى الحكيم إذا أمر عبده بقتل عدوّ له فصادف العبد ابنه و قطع بأنّه ذلك العدو فتجرّى و لم يقتله فاذا اطّلع المولى على حاله لا يذمّه بهذا التجرّي بل يرضى به و إن كان معذوراً لو فعل ... إلى أن قال: و من هنا يظهر أنّ التجرّي على الحرام في المكروهات الواقعيّة أشدّ منه في مباحاتها، و هو فيها أشدّ في مندوباتها، و يختلف باختلافها ضعفاً و شدّة كالمكروهات و يمكن أن يراعى في الواجبات الواقعيّة ما هو الأقوى من جهاتها و جهات التجرّي» [١]. (انتهى).
أقول: الظاهر من كلامه هذا أنّ حكم التجرّي لديه يختلف بعدد الأحكام الخمسة، و لعلّ وجهه عنده هو نفس ما ادّعاه المحقّق الخراساني (رحمه الله) على مذهبه (و هو حرمة التجرّي مطلقاً) من حكومة الوجدان، فكأنّ صاحب الفصول يقول: كما أنّ الوجدان يحكم بقبح التجرّي في بعض الموارد يحكم أيضاً بعدمه في موارد اخرى.
و لكن يجاب عنه
أوّلًا: بأنّه ليس تفصيلًا في المسألة بل هو يساوق حقيقةً القول بحرمة التجرّي مطلقاً لكنّها حرمة اقتضائيّة تتغيّر بطروّ عناوين ثانوية كما هو كذلك في غالب العناوين المحرّمة، فإنّ الكذب مثلًا حرام باعتبار وجود مفسدة فيه، و تتغيّر حرمته إذا طرأ عليه مصلحة أقوى.
[١] الفصول: الفصل الأخير من الاجتهاد و التقليد.